
علي قِدّ ما سَافرت ..
شُفتْ وريت
وعلى قِدّ ما تعلّمتْ ..
وسمعتْ وقريت ..
وعلي قِدّ ما فكّرت ..
وتخايلت وتمنّيت ..
لا لقيت زيّك زيّ ..
ولا غلاك بي يندسّ
ومع كل طَفّة قلبْ ..
مع كل رَفّة هِذب ..

علي قِدّ ما سَافرت ..
شُفتْ وريت
وعلى قِدّ ما تعلّمتْ ..
وسمعتْ وقريت ..
وعلي قِدّ ما فكّرت ..
وتخايلت وتمنّيت ..
لا لقيت زيّك زيّ ..
ولا غلاك بي يندسّ
ومع كل طَفّة قلبْ ..
مع كل رَفّة هِذب ..
قليل من التدافع وكثير من العرق والروائح البشرية .. لعن الله أجهزة التكييف ، لا تتكاسل إلاّ حين الحاجة إليها ..
الساعات تمرّ والوجوه ذات الوجوه ، والطوابير ذات الطوابير .. والضيق ذات الضيق .. والتساؤلات تًُقال وتُعاد وتُكرّر فيما تصمد الإجابة على ألسنة الموظفين بثقة وحزم ، فالحجّة والعذر لا يمكن التعقيب بعدهما : ( المنضومه واقفه ) ..
كان احد فرسان الكلام الزين في بلادنا ، فنّان لم يعرف إلاّ العطاء ، تعرّفت إليه في مجلس والدي ، رحمهما الله ، تفتنه شطرة بيت ، ويجنّ بمعنى مثل شعبي فيخطّه بيد ترتجف شوقاً على بقايا ورقة لم تك لتفارق يده أبداً .
وكان سرعان ما يعاود بقصيد رائع ضُمّن ذاك المثل أو قارب تلك الشطرة معنى ، قدرة مبهرة على معانقة الفكر والحرف . إنه الأستاذ الكاتب المسرحي والصحفي والشاعر الذوّاق المبدع المرحوم فرج قناو غفر الله له وجزاه عنّا ، وعن أمانة رسالة الفنّ في بلادنا ، كلّ الخير.
في بدلة كاملة دائما ، وفنجان القهوة لا يغادر جواره إلاّ ليعود ، والسجائر تتطاير إلى فمه وتتساقط بين إصبعيه ، وأبتسامة روحانية عجيبة يشرق بها وجهه ، وعينان قلقتان لا تثبتا إلاّ لتتحرّكا ، تلمعان ببريق جيّاش عجِل ، وكأن تلك الروح كانت تئن بأمانة غالية ثقيلة ومضنية ، هذه الروح التوّاقة كانت في صراع عنيف مع جسد ضعيف مرهق لم يشفق عليه صاحبه .. وكان محقاً ، فالأمانة رسالة كان لابدّ لها وأن تصل .
تخيّر المسرح للبوح . وفي وقت إتجه فيه البعض صوب بريخت وسارتر وكامو وشكسبير ، شدّ هو الرحال صوب التراث ، وسافر عبر عوالم الحاج حقيق للتراث والمحبّة ، ليتحسّس بيديه العاريتين الحكمة الشعبية تتخفّى وراء غنّاوة علم تمثّل بها مجاهد ليبي قبيل إستشهاده بقليل ، وتندسّ في زغرودة إعتزاز من فم أم ليبية تفتخر بإبنٍ وحيدٍ لها ، تعرّف عياناً ويقيناً على قيمة الأرض والإنسان والتراث ، فكانت مسرحية " حوش العيله " . وفي دروب عالم التراث والأصالة تعرّف على سيدي قنانه ، والهلاليّه ، وبوسعديّه ، وبحبفّه ..
" وبحبفّه يا بحبفّه
يا سبع خلاخل في صفّه
ويشنّوا ويرنّوا ..
في جمال وظرف وخفّه "
عاز دعامه ..

اللي كان يرتع في ربيع أحلامه
اليوم ضاق بيه الحال
عاز سنيده
بعد عزّ وتبرطيع وتفرهيده
فرحان يدفق ، دقّته تغريده
بين عشق بين إعجاب بين غرامه
يديم النفس والفكر والتنهيده
ويسقي الخطاوي والنظر والقامه
ولا يوم شدّ إفشيّ ماللي فيده
يدعم بجهده كلّ من قدّامه
ترقد أعضاه الليل بالتوّسيده
ويسهر يعسّ ما يوم ذاق منامه
فيما عدا المثل الشعبي الدارج ، أكاد أجزم أن "البورجيله" ولعقود طويلة ، كان ، وربما لايزال ، من أكثر وسائل التعبير الأدبية والفنية الشعبية شيوعا وتمكّنا من قلوب وخواطر وألسنة الليبيين والليبيات . فهم يتمسّكون بأغصانه أوقات الشدّة والمحن والأحزان ، ويستظلون بفيء أبياتهِ في أيـام الفرح والمسامرة ، يتفاعلُون مع مطالِعه ، وينسجونَ ويغنون على أوزانِه ، ويفزعون إلى قوافيهِ تماماً كما يفزعُ الصديقُ لصديقه الحميم لبثّ لواعج العشق ولعن الحظّ العاثر ، ليسمع منه ما يمكن أن يجمّل في قلبه مرارة الصبر وحرقة السلوى ولواعج النسيان .
وسِرّ ذلك التعلّق ، فيما أرى ، أن "البورجيله" ، بهيكليتهِ العروضيةِ السهلة ، إنما يواصل سيره الأبدي في دوائرَ لا تنتهي ، وتكرارٍ لا يتوقّف ، وإلحاحٍ لا يَمِلّ ، تماماً ، كما هي الخواطر والهواجس والأفكار والمشاعر والأحاسيس وهي ترد على العقل والبال ، تظل تدور وتدور وتدور ، تبتعد وتقترب ، تضجّ وتهمس ، لا تهدأ إلاّ لتثور ، ولا تكاد تتراجع حتى تعاود أكثر قوة وعنفواناً وتسلطاً .
كما أن هيكلية البورجيله الفضفاضة المرنة تتيح للناظم خيارات لا تنتهي ، فهي ، وبأريحية عجيبة ، لا تمانع في زحفٍ بسيطٍ هنا أو مدِّ مضطرٍّ هناك ، إذ يمكن تجاوز كل ذلك لاحقا في الإلقاء أو الغناء بالتصرّف في تحريكِ حرف أو بضعة أحرف . بل أنها قد تسمح في بعض الأحيان بإستبدالِ كلمةٍ بأخرى وإسمٍ بآخر ، وفعلٍ أو حرفٍ بمثيليهما دونما أيّ حرج يُذكر .
وفوق كل هذا ، فإن للبورجيله قدرة سحرية على تقمّص كافة أغراض ومقاصد النظم ، وشحن أبياته بطاقة عاطفية مؤثّرة تغري بالتمثّل بمعانيه والتأسّي بمضامينه ورسائله الفلسفية والإجتماعية والنفسية والعاطفية . زِد على ذلك أنه يتقبّل كافة المستويات الشعرية دون إستثناء ، من محاولات المبتديء الغرّ حتى روائع المبدع المتمكّن ، ليضمن للأولى ، بتقطيع وزنه المحبّب ، الإستماع على أقل تقدير مهما كانت سذاجة وتعثّر التعبير . ولعل الغريب في الأمر هو أن تلك الأبيات ـ البسيطة والأقلّ شاعرية ـ كانت أكثر الأبيات حفظا وشعبية وأستخداما ..
1 ـ لا تسامح البنّاي فيمـا علّى علّى الحيــوط ودرّقــك يا لللا
2 ـ همّا الثلاثـه ماشيين إيمينه فيهم الغالـي راشق الياسمينه
3 ـ همّا الثلاثـه ماشيين إيساره فيهــم الغالـي راشــق النـوّاره
4 ـ في زنقة الحمّام زوز غزلّه واحد خـذي عقلي ولآخـر سلّـه
لنتأمل ، هنا ، كيف تسعى أبيات "البورجيله" بالمحبّة بين القلوب ، خِفيةً في باديء الأمر ، لتضرم النيران من بعد ذلك شوقاً وعشقاً وتعلّقاً .. فهذا يجِدُ ويعاني مع كل دورةٍ للرحى ، وذاك مذهول بما يتطايرُ أسفل غطاء الرأس من خصلات شعرٍ حائرة ، وتلك ، ولعظيم محبتها ، لا تمانع الإنتظار سنين طويلة لتحظ به زوجاً ، وهذا يُحدِّثُ ، كالمجنون ، القرطَ بين يديه ، بل ويحمّله السلام ! ، والآخر يصف ويُشبّه ويتشبّب ، فيما يتمنّى الثاني رسولاً مخلصاً يسعى ما بينه وبين حِبِّه ، أمّا ذاك ، فقد إسترعى إنتباهَهُ ، لنباهتهِ ، إلى جانب جمالِها ورقّتِها بالطبع ، بيتُ أهلِها الذي يَحظى ، لإتساعهِ وفخامتهِ ، بمدخلين إثنين .. و"سقيفه" !!.
5 - تُطقّ في الرحى نَحسابْ تُنقش فيها وهي طَقّهـا في كبيدتي تَاريهـا
6 - زِيـن العصابه وزين مِن كَوّرها وقُصّه علي حَاجِب رِقيق شعرها
7 - نْراجيـك يا كركـار طرف عباته كيف عام كيف تنتين كيف ثلاثه
8 - يا خُرص سلّملي علـي مُولاتِك تَلبس غلانَا كِيـف ما لِبسَاتِـك
9 - عليك شَابّه والريح هَـبّْ غطاهَا قمرْ زَاهيه وزَاد السحاب جلاَها
10 - واللــه يا قِلّــة رِسيـلْ يهنِّـي يجيـب الخبرْ مِنّك ويَـرفع مِنّي
11 - يا حُـوش بُو فُمّين فِيه سقِيفَـه فيه لَريلي لَسبط رِقيـق الصِيفه
ولكن مهلاً .. ما هو البورجيله أصلا ؟!..
"البورجيله" هو ميزانٌ ونمطٌ شعري شعبي ينتشر ، بشكلٍ واضحٍ في كلٍّ من ليبيا وتونس ، وهو يتبع في تصنيفه في تونس ما يُعرف بـ (الملزومه) ، وقد سُمّيَ بالبورجيله كَونه يرتكزُ في غناءه على (رجل واحدة) أي على جانبٍ واحدٍ من التشطير .
ويتركّب قصيد البورجيله ، في العموم ، من مطلع (أو طالع) يتمثّل في شطرتين ( صدر وعجز) متماثلتين في الوزن والقافية ، ومن عددٍ من البيوت (أو الأغصان أو الأدوار) ، يتكون كلُّ بيتٍ فيها من ثلاثة تشطيرات (يكون أولها ناقصاً) تتحدُ في قافيةٍ جديدة ، وتشطيرة رابعة يُرجَع بها لقافيةِ المطلع . وقد يُتفنّن في نظمِ زجل البورجيله بإضافةِ شطرتين أخريين للبيت تنسجم فيها قافية الأولى مع قافيةِ البيت ، فيما تَرجع قافيةُ التشطير الثاني للمطلع وهنا يسمّى بـ "البورجيله المزيود" .
ولكن ما أحببتُ التركيزَ عليه في هذا المقال تحديداً ، هي تلك الأبيات المُفرَدة لا القصيد ، أي مطالع البورجيله التي لا بيوتَ ولا أغصانَ لها ، والتي أسمّيها بـ " أبيات البورجيله " ، وهي أبيات لا يُعرف قائلها أو قائلتهـا ، وتنتشرُ وتشتهرُ سريعا لسهولةِ ويسرِ حفظِها وتداولِها ، وهي ليست فقط ببيتِ القَصيد وإنما هي " البيتُ القَصيد " ، فهي بيتٌ واحدٌ لا غير ، دونما شرح ولا إضافةٍ ولا تعقيب ، مطالع منفردة ومعبِّرة ، ورغم وقوفها وحيدة ، فإنها تختزلُ في طَيّاتها بذورَ قصائد طِوال لِمن أحَبّ أن يتخيّل .. أو أن يُكمل البِناء .
وأبيات " البورجيله " لا تتوقف عند حدّ وصف أحوال المحبين ممن أصابهم سهام الولَه ، وجرت بعقولهم "لوثة" العشق ، وإنما عبّرت عن كافةِ اللحظات الإنسانية الدقيقة التي يَحتاج فيها المُنشيءُ والمتمثِّل ، على حدٍّ سواء ، إلى التعبير بكلماتٍ موجَزة ومؤثِّرة ومكثَّفة عن أحاسيس ومواقف إنسانية غايةً في الخُصوصية . ولعل الفقر و"العازه" والإحتياج تأتي في مقدمةِ هذه المواقف والأحاسيس :
12 - شِـن بيّعـك في أمّ العَناق الزِينـه إمفيـتْ العويّـل لاَ قلبلِـك عِينـــه
13 - الصَايبـه وفــراغ لِيــد إيكيــدُوا ويقصّروا في العمر مُوش يزيدُوا
14 - عَدوّك فراغ إيدِك حَبيبك مـالِك بَلا مَال راهو يكرهُوك عيَـالِـك
وكذلك هي "الموجعَه" ، وهي تعبيرٌ عن الإساءةِ ، غير المتوقعَة في أغلب الأحيان ، التي قد نتعرّض لها من قِبلِ حبيب أو قريب أو صديق أو جار :
15 - المُوجعه في القلب يا مصعبها تُخطر عليّا لا وقفّ صَاحبها
16 - الموجعه في القلب ما ننسَاها تُخطر عليّا لا وقف مُولاهَـا
17 - يا عين إبكي ويا حديـده رِنّي أني صَاحبي بالموجعه بَدّلني
18 - قلبي خَزنْ مِنّكْ خَزين الصَابه والعين لاَ رَاتِك تدِير ضبَابـه
وهناك أيضا الأبيات المرتبطة بمفاهيمِ "السعد" و"البخت" وهي تعبيرات محلية للحظّ والتوفيق والنجاح :
19 - أني خِيرني وخِير الزمان معايَا قِدّام وِجهي تِيبس الخُضرايه
20 - البخت ما عنديش غِير شويّـه مع كلّ حـدّْ حتّى مع إمّاليّـا
ومـن مواضيع البورجيله أيضا موضوع "خيانة العهد" و"إخلاف الوعد" ما بين المتعاهدين من المحبين والأصحاب على حـد سواء :
21 - عيُون المحَبّـه مِن بعيد إيبَانُوا كان دَنقرُوا يا نَاس راهُم خَانُوا
22 - يا عين كُونـي ثابتة ورزينـه باريك من صَاحبْ مواطي عِينه
23 - لو كـان يَابَــا خَاطـرِي يهنّيني علي بَاردِيِـن النوّْ ما يشقّيني



حديث اليوم
الأستاذ الحاج محمد حقيق
قالت الناس لوّله : أطلق عبستك وشدّ خبزتك . لأن بشاشتك في وجه الناس تغني علي أنّك تعطيهم شيء .. وإلاّ تسلّفهم شيء وإلاّ تتفضل عليهم بشيء . النفس بطبيعتها تحبّ اللي يشرهب بيها أكثر من اللي يعطيها .
وحسن الخلق ، أظنّي ، ما أحسن منّه للإنسان شيء ، إذا كانه بهاذاكا الوجه البشوش ، وبهاداكا الخُلق الحسن الفاضل يقابل جميع الناس ، جيرانه وأقاربه ، وكل من هوَّ حوله وكل من يتعامل معاه .

وقت اللي مرض ولد سلطان البحر ، وكان هوَّ وحيد أمّه وبوه ، راج هاذاكا القصر ، وجتّ الطبّه من كل مطراح ، وكلّ واحد يقول كلام .
لكن الشيء اللي إتفقوا فيه هو أن مرض لوليد عجيب وغريب .
وجُوُّ سكّان لبحر من كل شكل ولون ، واللي يجي يجيب معاه نوع مالدواوات . ما فادش . إميمته وأوبيّه مطلوقه فيهم النار ، منكبّين عليه ليل ونهار يستنّوا إفرحمة ربي .


طـال المـوح روّح يـا غـريـب
راهـو الوطن ما كيفـه حبـيب
راهو الوطن جنّه
بعيــد عليــه مـا تلـقـى مـحنّـه
شـاقـي دوم عمـرك مـا أتّهنـّا
ولا تلقــاش لوجـاعـك طبيـب
راهو الوطن غالي
مهما تكون طول الوقـت جـالي
إيشْ حَيّركْ ..
وإنتَ دِليلْ العقلْ عِندكْ غَادي
ياللّي الرُوح فدَاكْ ..
إيشْ غَيّرك
وآني إنكايرْ بيك بين إندادي
واللي قداي إقْدَاكْ








منذ الصغر ، ولا أقصد بالصغر هنا "القماط" أو ما شابه مثلما يدّعي الموهوبون ، وإنما أتحدث عن فترة الثانوية وبدايات الجامعة ، تملّكتني رغبة محمومة في أن أُثبت ما يعجبني من القراءة أو السماع أو المشاهدة على ورق كرّاس ..
وكنت دائما أجد الوقت لأصرف الساعات وأنا أخُطّ "وأُتكِّم" : أزيّن الصفحة بالأحمر تارة ، وبالأزرق تارة ، وبالأصفر تارة أخرى ، وأتخيّر الصور من الصحف والمجلات "تلك التي أرى أنها تتماشي مع جوّ ما أكتب" ، وألصقها الكرّاس بعناية وحرص وشغف وأستمتاع ، وقد أسطّر خطّين أو ثلاثة "لوازم الصنعة والإخراج" ..
وقد وصلت هذه الكتيّبات حتى تاريخه إلى أربعة أو خمسة كراريس ، مليئة بالمشاعر والخواطر والحكمة ، وبالصور وكلمات الأغاني والشعر والأمثال ، ومترعة بالقلق والملل والمحبة ، تلوح من ثناياها الفرحة الخالصة حيناً ، والدمع والآهات أحايين أخرى .
وقدّ عنّ لي أن أشارك حصيلة تلك الكراريس "الخاصة" من يحبّ ، كحالي ، "فنّ الإنتقاء والإختيار" ، وإن كنت وبإعتباري "بطل القصّة "سأختار من هذه الكراريس ما يروق لي ، وما يثير في النفس والذاكرة بقايا وشم محبة باهتة أو رسم ذكرى بعيدة ، عسى أسترجع بعضا من تلك اللحظات التي كنت أسرقها من كل يوم دون أدنى علم من مؤشّر عدّاد العمر المتسارع ..
ــ صفحة من الكرّاس الأصفر :
في هذه الصفحة ألصقت صورة من مجلة لسيدة شقراء الشعر ، قصيرته ، ترتدي ثيابا حمراء شرقية ، فضفاضة ومطرّزة ، وقد إلتفتت فجأة فأطارت نسمة إلتفاتتها بطرف وشاحها الحريري ، وهنا تمّ إلتقاط الصورة . فيما كتبت أنا على مقربة من طرف الوشاح أبيات شعر رقيقة لنزار ، وقد كنت أعشق نزار قبّاني في صغري وأتلهّف على دواوينه بشغف وعشق عجيبين ، ولا زلت حتى الآن أقدّر كثيرا تجربته الشعرية المتفرّدة ، التي استطاعت أن تعبّر بسهولة ويسر عن كل ما قد يختلج في قلوب العشّاق والمحبين ، والثوّار والمقهورين على حد سواء ..
ــ الصفحة تقرأ كالتالي ..
إلى إمرأة لا تُعاد
تُسمّى "مدينة حزني"
إلى من تسافر مثل السفينة
في ماء عيني
وتدخل وقت الكتابةِ
ما بين صوتي وبيني
أقدّم موتي إليك على شكلِ شعرٍ
فكيف تظنّين أنّي أغنّي !!
على الصفحة المقابلة ، ويبدو أني كنت عندها أستمع للمطرب الكبير وديع الصافي ، إذ قمت بخطّ بعض أبيات الأغنية وتعقيبات من عندي ، بعشوائية إنتقاء وفق ترمومتر الإحساس ، ولكن الصورة الملصقة مع الأبيات لم تكّ لوديع وإنما كانت لغلاف شريط كاسيت قديم لعائلة "بندلي" الفنية التي كنت أتتبع ألحانها وأصوات أفرادها لزمن ، خاصة إبنتهم " دورا" في أدائها للأدوار القديمة .. الصفحة تقرأ كالتالي :
" بدّي إنساها ومش قادر.. " والقلب ينطّ ليهوى ، كي ينطّ من جديد .. ومع كل نفس من السيجارة تمرّين ببالي .. حقا قد زرعت دبابيس هواك في قبضة اللحم تلك دون كثير عناء .. والحقّ أنك رائعة :

" طلّت تتمخطر " ..
"فستان أبيض ، أصفر ، أحمر ، أخضر .. ومكسّر !! "
"نحن عليكو ما تكبّرنا ، ليش عليناتا تكبّرتوا ؟.."
"الله عالفرقه يصبّرنا .."
"كنتو حناني ، ليش غيّرتوا ؟.."
"بعدو هواكم عندنا غالي ، من بعدكم هالقلب سكّرتو .."
ــ صفحات أخرى من الكرّاس الأصفر :
صورة للممثلة القديرة منى واصف "لا أدري لماذا ألصقتها الكرّاس ؟" وأبيات إرتجلتها ذات مرة عن طفلة عربية صغيرة تدعى (يارا) لها نظرة ملائكية تلخّص كلّ براءة الأطفال في العالم ..

زغيري وحلوي كثير كثير
اللي يحِبّه ، ما بتُفتُر نارا
وكل ما بِدّا يصير .. يصير !
بنتي سِرّ الكون .. ويارا
…………………….
وبعد سِتّي ، سبعي ، ثماني سنين
بقول إنشاء الله ..
تفتكري الشاعر بأشعارا
ثم صورة لبلقيس زوجة نزار (التي قضت في حادثة تفجير بلبنان) ، ثمّ صورة لفيروز وهي تضحك ملء شدقيها .. (هل يمكن تصوّر ذلك .. فيروز تضحك ؟) ، "ربما لغرابة الصورة أدرجتها الكرّاس" ، ثم رسومات خطّها جبران خليل جبران ، خطوط وإسكتشات لوجوه تخيّلية لأبي نواس وأبن خلدون ، وبورتريهات لنفسه وهو يرسم في مقهى ، وفي مرسم مع موديل ، الرسومات مؤرخة بسنة 1910 . وقد كتبت إلى جانب هذه الرسومات بعضا من كلمات جبران المعروفة :
ــ أبعد الناس عن قلبي ، راغب يمثّل دور مرغوب .
ــ للرجل العظيم قلبان ، قلب يدمي ، وقلب يتجلّد .
ــ إلى جانب صورة فيروز ، تخيرت بعض الميجنا من أغانيها ، وإلى جانب صورة بلقيس زوجة نزار الراحلة ، قصيد مطوّل له عن بيروت إبّان الحرب الأهلية "بيروت محظيتكم.. بيروت حبيبتي" ، أختار أولى أبياتها :
إن تركناك تموتين وحيدة ..
وتسللنا إلى خارج الغرفة نبكي كجنود هاربين ..
سامحينا ..
إن رأينا دمك الورديّ ينساب كأنهار العقيق
وتفرّجنا على فعل الزنا
وبقينا ساكتين ..
وهنا قد يحقّ التساؤل : ترى هل استعار مظفر النواب هذه الصورة من نزار أم العكس في أبيات الأول المشهورة عن القدس ، فتشابه المعنى هنا ، يبدو لي ، تقليدا :


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في "باب الحريّة" ، كانت موسيقى الحركة والأصوات تبثّ حياة تقرب من الصخب ، و كنت أساهم فيها من نافذة خشبية متهالكة تطلّ على الشارع الضيّق بطقطقة رتيبة متتالية على الآلة الكاتبة العتيقة المخصصة لي للتدريب في "مدرسة … لتعليم الطباعة باللمس" .
تعب الموج من سعيه فسكن البحر وهدأ ، وسار الليل حثيثا في شوارع المدينة القديمة بطرابلس ليسدل على كل مكان حلة مهيبة من الهدوء والستر والظلام .. سكون لا يشوبه سوى أصوات وتواقيع بعيدة مكتومة لا تكاد تبين آتية من جهة "الزاوية الصغيرة". 
في إحدى البيوت ، أيّ منها ! ، وقبيل أن تخلد الأجساد والنفوس للنوم بقليل .. فيما النعاس يداعب الجفون والأرواح على مقربة من تخوم ممالك الخيال والأحلام .. ينساب صوت الجدّة المباركة وهي تهمس بتؤدة وتأنٍ بكلمات صـادقـة وبسيطـة تهتزّ مـع حروفها ، على حياء ، قلوب فتيات البيت وهن ينصتن بشغفٍ ومحبة ..
ــ بسم الله بديت ، وعالنبي صليت ، يا غايث كل مغيث ، غيثنا واستر عيوبنا ..
في ذات اللحظة ، وعلى بعد آلاف الأميال غربا ، وبالتحديد في حيّ القصبة العتيق بالجزائر العاصمة ، كانت أعين البنات قد تعلقت بشفتي جدتهن الغالية يتتبعنها في ترقّب وشوق ولهفة وهي تتمتم :
ــ بسم الله بديت ، وعلى النبي صليت ، وعلى الصحابة رضيت ، وعيّطت يا خالقي ، يا مغيث كل مغيث ، يا ربّ السماء العالي ..
كلمات الجدّتين العربيتين هذه تعني أنهما قد باشرتا لتوّهما لعبة " البوقالة " ، تلك الظاهرة التراثية النسائية ، التي تلج الصبايا من خلالها ، بسهولةٍ ويسر ، إلى عالم فسيح لا يُحدّ من الحلم والأمل والرجاء والفأل الحسن .. تسلية إبداعية شعبية عفيفة ، ولعبة استبشار بريئة ، تُغنِي فيها أمنيات وأحلام وخيال الفتيات أنفسهن عن كل ما نعرفه الآن من وسائل للفنون والتسلية .
تمدّ الجدة بغطاء الرأس "التسّمال" لمن على يمينها من الحفيدات لتعقد بطرفه عقدة بسيطة وهي تستحضر في قلبها من تودّ أن يكون المعنيّ بـ "البوقالة" التي ستقال ، ثم تعيد "التسّمال" للجدة التي تبدأ على الفور في استرجاع وإلقاء بوقالة من بين العشرات التي تحفظها منذ زمن بعيد عن ظهر قلب :
سيدي سيدي وين نلقاك
نلقاك في نهار سعيد
نبي محبّتك تُنقص كل يوم تزيد
نراجي فيك
مراجاة هلال العيد
ــ فيما تتخيّر جدتنا في حيّ القصبة بالجزائر البوقالة التي تقول :
رشّيت عتبة الباب بالزهر والطّيب
وسقيت كل لحباب بالعسل والزبيب
وكي نسيت .. جاني جواب
كنت نستنّاه من عند البعيد
وتفكّ الجدتان ، في المدينة القديمة والقصبة على حد سواء ، عقدة غطاء الرأس ، وترتفع أصوات الفتيات وهن يسألن في فضول ملحّ صاحبة البوقالة عمّن كان المقصود ؟ ، بالطبع كلتاهما لا تصدقهن القول ، فواحدة قالت إنها نوت البوقالة لخالها المسافر ، فيما أشارت الثانية إلى أنها أسمت البوقاله على شقيقتها المتزوجة في مدينة ثانية ، إجابات ذكية تبرّر قطعا ترقّب عودة المسافر كترقّب هلال العيد ، وانتظار جواب مطمئن من ذلك البعيد . وتضحك البنات في سرهن ، فهن يعرفن أن لا الخال ولا الشقيقة معنيين بالبوقالتين إلا عرضا ..
وتستمر "البوقالة" فتتناول "التسّمال" الفتاة التي تلي الأولى ، لتعقد كشقيقتها النية في القلب عن المقصود بالبوقالة التالية ، ولتعقد كذلك عقدة صغيرة في طرف غطاء الرأس ثم ترجعه للجدة لسماع نصيبها من "بوقالات" الليلة . في القصبة بالجزائر العاصمة سمعت الفتيات :
السفينة اللي جات .. باش آنكافيها ؟
باللوز والسكّر نطعم غاشيها
وبالزباد والعطر نطلي سواريها
ونطلب ربّي
للحجّ يدّيها
ــ وفي مدينة طرابلس القديمة سمعن .. :
مركب الغالي جِتّ .. باش نكافيها ؟
بالجوهر المكّي نرشّق حواشيها
وبالعطر الوردي ندهن حواريها
ونطلب من خالقي
نحجّ على إيديها
البوقالة .. ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا ؟..
"البوقالة" في اللهجة الليبية هي الآنية الفخارية التي يُشرب منها ، وهي "كالبرّادة" عدا أنها طويلة العنق ضيّقة المشرب ، أمّا في الجزائر فإنها تعني الإناء الفخاري الدائري الصغير ، وقد كان يستخدم قديما في هذه اللعبة ، حيث كانت الصبايا يضعن خواتمهن في هذا الإناء بعد أن يتم ملؤه بقليل من الماء ، ليتم اختيار الفتاة التي ستُخصّ ببوقالة ، عند إخراج خاتمها عشوائيا من هذه "البوقاله" الفخارية ، وذلك زيادة في التشويق والإثارة للعبة على ما يبدو .
وعدا أنني لم أسمع بمثل هذا الاستخدام في طرابلس عند لعب البوقالة قديما . فإنه وحتى في الجزائر ، ومع مرور الوقت ، تمّ تجريد اللعبة من جزئية الإناء الفخاري هذه وبعض الشكليات الأخرى ، ولم تتبق سوى الأشعار التي تحفظها النساء والفتيات غيبا ، إعجابا بمعانيها الرقيقة ، وتفاؤلها اللطيف .
ولعله ، وفي ضوء تشابه أشعار البوقالة في كل من ليبيا والجزائر ، وهو في بعض البوقالات يكاد يكون تماثلا إلاّ من بعض المفردات التي يحتّمها اختلاف اللهجة وبعض تفاصيل الحياة ، فإن الحاجة باتت ملحّة لقيام الباحثين في مجال التراث الشعبي في البلدين بتأصيل هذه اللعبة ، وتحقيق أبياتها وتحديد منشئها الأصلي وتاريخ نشأتها .
وعلى الرغم من أن الخصائص الأدبية لأبيات البوقالة تؤشّر وبوضوح صوب الأندلس ، تماما مثلما هو المألوف ، إلا أن إثبات وجودها ضمن المأثور الشعبي في المغرب يظلّ هو السبيل الوحيد لدعم مثل هذه الفرضية .
لنتأمل أولاً مدى التشابه والتماثل بين البوقالة الطرابلسية كما كانت تقال في المدينة القديمة وميزران والظهرة ، والبوقالة في أحياء الجزائر العاصمة كحيّ القصبة وباب الوادي وباب عزون . ففي البوقالة الجزائرية التالية والتي تتحدث عن السعادة والفرح برجوع المحبوب وصلاح الحال ، وحلول الفرصة للتشفّي من الحاسدين والأعداء :
هبطت إلى قاع الجنان وفرّشت زربيّه
وحرقست بحرقوس الذهب حتى إلى وذنيّا
أفرحي يا يمّا سعدي ولّى ليّا
نتشفّى في العدو
كما يتشفّى فيّا
ــ نجد أولا ، ومن حيث المفردات ، تماثلا كبيرا مع ما يقال في اللهجة الطرابلسية : (فرّشت زربيّه) ، (الجنان) ، (حرقصت) ، (حتى إلوذنيّا ـ حتى إلى أذنيّ ـ) ، (سعدي ولّى ـ رجع ـ ليّا) . ويلاحظ هنا أن اسم الأمّ المنادى في الجزائر ينطق بالكسر(يِمّا) في حين أنه في طرابلس بالرفع ( يُومّا ) . أما من حيث المعنى فإن هذه البوقالة قريبة جدا من حيث الموضوع والتعبير والقافية ، من البوقالة الطرابلسية التي تقول :
سيدي سيدي حنّ عليّا
نفرّش فراش الحرير ونمدّ رجليّا
ونشّمت في العادي
قبل لا يشّمّت فيّا
ــ أما البوقالة الطرابلسية التي تتحدث عن شرّ المغتابين من الحساد والخصوم ، والتي تقول :
قطّعت اللحم ودرتله فلفله وبزاره
وسمعت القول وعرفت من قاله
يا قايل الخير تربح
ويا قايل الشرّ تنبح
ــ فإنها تبدو ، وبوضوح ، شقيقة لتلك التي تقال في الجزائر العاصمة في ذات الموضوع :
قطّعت اللحم بيدي وعملت بذور
وسمعت الكلام بوذني وعرفت من قالو
يا قايلين الكلام القبيح وِآش تربحوا ؟
أنا طاووس في القصر
وأنتم خفّاش .. النهار ما يضوالو
ــ أمّا بوقالة اللوم والعتاب وحفظ العهد والتي تقال في الجزائر العاصمة هكذا :
بعثت لك يا شباب دموعي قرنفله حمراء
يا عدو بن عدو بدّلتني بامراء
قال لي والله يا لاَله ما نبدّلك بالغير
محبتك في قلبي
حتى يشيب الطير
ــ فهي وإلى حد كبير مقاربة لتلك التي تقال في طرابلس بصيغة:
دزّيتلك السلام في قرنفله صفره
بحروف الذهب خيار ما تقرأ
وحتى ليا بدّلتني بأخرى
أني والله ما نبدّلك بالغير
محبّتك في القلب
لين يشيب الطير
البوقالة.. تنوّع في الموضوع ، وتعدّد في الوظيفة.. 
يمكن اعتبار البوقالة علاوة على أنها جلسة نسائية عائلية محتشمة للعب والتسلية والترويح عن النفس ، بمثابة جلسة دعم نفسي للفتيات ، فالجدّات والأمهات وعند تخيّرهن للبوقالات للفتيـات اللائي عليهن الدور يقمن ، ومن طرف خفّي ، باسترجاع البوقالة المناسبة لواقع حال كل فتاة على حدة، ومزاجها خلال ذلك الشهر أو الفترة الأخيرة ، وذلك كأسلوب نفسي يهدف إلى الدعم ورفع المعنويات ، وتقوية الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى قادر على تغيير الأحوال وعلى تحقيق الأماني والأحلام .. والتي غالبا ما تتمثّل بالنسبة لأولئك الفتيات في التوفيق إلى الزوج المرغوب والمناسب لتأسيس أسرة مستقرة وسعيدة .
كما تمثّل جلسة البوقاله وقتا إجتماعيا حميمياً للتواصل والحوار والتشاور ، فاللعبة ، بطبيعتها ، تحتمل المقاطعات إلى أبعد حد ، سواء للتعقيب على حدث ما أو للإخبار بمعلومة ، أو للنصح والإرشاد ، إلى غير ذلك من التفاعل الإنساني الاجتماعي الذي يمكن أن يحدث بين أكثر من جيل .
ولعل الرائع في جلسة البوقالة هو في تفهّم الجيل القديم لاحتياج الفتيات والصبايا لسماع أبيات الحبّ اللطيفة العفيفة ، الصريحة أحيانا والمستترة أحيانا أخرى ، وتفهّم حاجتهن إلى الأمل والحلم والثقة في المستقبل . لتنام الفتاة من بعد لعب البوقالة وهي مطمئنة إلا أن نصيبها وحظها في الحياة من الفرح والسعادة هو بيد الله الذي لا يغفل عن أحد من خلقه ، سبحانه .
أمّا مواضيع البوقاله فهي مواضيع الشعر على إطلاقه ، ففيها من الفخر والمديح والتشبّب والرجاء والدعاء والفأل الطيب الكثير ، كما أن فيها الكثير من اللوعة والتحسّر والحزن على فراق الأحبة والأمل في أن يجمع الله الشمل من جديد ، وتزخر البوقاله بالدعوا

من الأمثال الشعبية :
من مغاني العلم :
من مغاني الرحى :
من أهازيج التربيج :
