Yahoo!

ليبيا

كتبها الهادي حقيق ، في 15 أكتوبر 2011 الساعة: 00:45 ص

   

 

علي قِدّ ما سَافرت ..

شُفتْ وريت

وعلى قِدّ ما تعلّمتْ ..

وسمعتْ وقريت ..

وعلي قِدّ ما فكّرت ..

وتخايلت وتمنّيت ..

لا لقيت زيّك زيّ ..

ولا غلاك بي يندسّ

ومع كل طَفّة قلبْ ..

مع كل رَفّة هِذب ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

“المنضومه” واقفه !!

كتبها الهادي حقيق ، في 6 أبريل 2010 الساعة: 00:48 ص

قليل من التدافع وكثير من العرق والروائح البشرية .. لعن الله أجهزة التكييف ، لا تتكاسل إلاّ حين الحاجة إليها .. 

الساعات تمرّ والوجوه ذات الوجوه ، والطوابير ذات الطوابير .. والضيق ذات الضيق .. والتساؤلات تًُقال وتُعاد وتُكرّر فيما تصمد الإجابة على ألسنة الموظفين بثقة وحزم ، فالحجّة والعذر لا يمكن التعقيب بعدهما : ( المنضومه واقفه ) ..

في الركن الذي ارتأيت الوقوف به في إنتظار تحرّك (المنضومه) .. كنت ألمح الكثيرين ممن كانوا يسترقون النظر أولا ومن ثمّ يقرّبون الخطى من كوة وحيدة تصل هواء صالة المصرف بهواء الله في الخارج .. نافذة صغيرة فتحت دون باقي نوافذ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فرج قناو .. فارس من بلادي

كتبها الهادي حقيق ، في 5 فبراير 2010 الساعة: 06:54 ص

 

     كان احد فرسان الكلام الزين في بلادنا ، فنّان لم يعرف إلاّ العطاء ، تعرّفت إليه في مجلس والدي ، رحمهما الله ، تفتنه شطرة بيت ، ويجنّ بمعنى مثل شعبي فيخطّه بيد ترتجف شوقاً على بقايا ورقة لم تك لتفارق يده أبداً . وكان سرعان ما يعاود بقصيد رائع ضُمّن ذاك المثل أو قارب تلك الشطرة معنى ، قدرة مبهرة على معانقة الفكر والحرف . إنه الأستاذ الكاتب المسرحي والصحفي والشاعر الذوّاق المبدع المرحوم فرج قناو غفر الله له وجزاه عنّا ، وعن أمانة رسالة الفنّ في بلادنا ، كلّ الخير. 

 
" طريت سريبه غصبٍ عنّي .. مش متعنّى ..
 
ولاني في رجوعه مستنّي ..
 
غير خطّرها ..
 
لمحبّه إليا شاع خبرها
 
تفقد معناها وجوهرها "
 

 في بدلة كاملة دائما ، وفنجان القهوة لا يغادر جواره إلاّ ليعود ، والسجائر تتطاير إلى فمه وتتساقط بين إصبعيه ، وأبتسامة روحانية عجيبة يشرق بها وجهه ، وعينان قلقتان لا تثبتا إلاّ لتتحرّكا ، تلمعان ببريق جيّاش عجِل ، وكأن تلك الروح كانت تئن بأمانة غالية ثقيلة ومضنية ، هذه الروح التوّاقة كانت في صراع عنيف مع جسد ضعيف مرهق لم يشفق عليه صاحبه .. وكان محقاً ، فالأمانة رسالة كان لابدّ لها وأن تصل .

 تخيّر المسرح للبوح . وفي وقت إتجه فيه البعض صوب بريخت وسارتر وكامو وشكسبير ، شدّ هو الرحال صوب التراث ، وسافر عبر عوالم الحاج حقيق للتراث والمحبّة ، ليتحسّس بيديه العاريتين الحكمة الشعبية تتخفّى وراء غنّاوة علم تمثّل بها مجاهد ليبي قبيل إستشهاده بقليل ، وتندسّ في زغرودة إعتزاز من فم أم ليبية تفتخر بإبنٍ وحيدٍ لها ، تعرّف عياناً ويقيناً على قيمة الأرض والإنسان والتراث ، فكانت مسرحية " حوش العيله " . وفي دروب عالم التراث والأصالة تعرّف على سيدي قنانه ، والهلاليّه ، وبوسعديّه ، وبحبفّه ..

" وبحبفّه يا بحبفّه

يا سبع خلاخل في صفّه

ويشنّوا ويرنّوا ..

في جمال وظرف وخفّه "

 

" ما نيش ناوي نتذكّرهم .. نعيد خبرهم

ولا ناوي نرجع لبحرهم .. ما نقدرها ..

أمواج الغيّه ومخاطرها .. غير خطّرها ..

حكايه قديمه القلب حفظها .. الفكر نقضها

شكي بيها من بعد جحدها .. وشاع خبرها

ولمحبّه إليا شاع خبرها .. تفقد معناها وجوهرها "

 
كان ، رحمه الله ، عاشقا للمرأة . مفتونا بهذا الخلق الرقيق الشفّاف المبهر ، ولكنه كان لا يراها إلاّ بوجهها الذي منحها الله إياه .. بصوتها ولسانها وكلمتها وفكرها وموقفها الشخصي الأصيل . ومن هنا كانت مسرحية " البنت اللي قالت لا ".

ومع المرأة كانت له رحلة رومانسية عجيبة ، إذ كان ينظر إليها ، وفي ذات الوقت ، ذات الوقت ، الأخت الحبيبة ، والأم الغالية ، والجدّة المهيبة ، والطفلة البريئة والصبيّة الشقية ، وكان مصرا على إستكمال هذه الرحلة المثيرة ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عاز دعامه

كتبها الهادي حقيق ، في 1 فبراير 2010 الساعة: 07:54 ص

 

 

                         عاز دعامه ..

اللي كان يرتع في ربيع أحلامه

اليوم ضاق بيه الحال

 

عاز سنيده

بعد عزّ وتبرطيع وتفرهيده

فرحان يدفق ، دقّته تغريده

بين عشق بين إعجاب بين غرامه

يديم النفس والفكر والتنهيده

ويسقي الخطاوي والنظر والقامه

ولا يوم شدّ إفشيّ ماللي فيده

يدعم بجهده كلّ من قدّامه

ترقد أعضاه الليل بالتوّسيده

ويسهر يعسّ ما يوم ذاق منامه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البورجيله ، وسعي لا يتوقّف ما بين القلب والعقل !!

كتبها الهادي حقيق ، في 27 نوفمبر 2009 الساعة: 23:48 م

 

     فيما عدا المثل الشعبي الدارج ، أكاد أجزم أن "البورجيله" ولعقود طويلة ، كان ، وربما لايزال ، من أكثر وسائل التعبير الأدبية والفنية الشعبية شيوعا وتمكّنا من قلوب وخواطر وألسنة الليبيين والليبيات . فهم يتمسّكون بأغصانه أوقات الشدّة والمحن والأحزان ، ويستظلون بفيء أبياتهِ في أيـام الفرح والمسامرة ، يتفاعلُون مع مطالِعه ، وينسجونَ ويغنون على أوزانِه ، ويفزعون إلى قوافيهِ تماماً كما يفزعُ الصديقُ لصديقه الحميم لبثّ لواعج العشق ولعن الحظّ العاثر ، ليسمع منه ما يمكن أن يجمّل في قلبه مرارة الصبر وحرقة السلوى ولواعج النسيان .

وسِرّ ذلك التعلّق ، فيما أرى ، أن "البورجيله" ، بهيكليتهِ العروضيةِ السهلة ، إنما يواصل سيره الأبدي في دوائرَ لا تنتهي ، وتكرارٍ لا يتوقّف ، وإلحاحٍ لا يَمِلّ ، تماماً ، كما هي الخواطر والهواجس والأفكار والمشاعر والأحاسيس وهي ترد على العقل والبال ، تظل تدور وتدور وتدور ، تبتعد وتقترب ، تضجّ وتهمس ، لا تهدأ إلاّ لتثور ، ولا تكاد تتراجع حتى تعاود أكثر قوة وعنفواناً وتسلطاً .

  كما أن هيكلية البورجيله الفضفاضة المرنة تتيح للناظم خيارات لا تنتهي ، فهي ، وبأريحية عجيبة ، لا تمانع في زحفٍ بسيطٍ هنا أو مدِّ مضطرٍّ هناك ، إذ يمكن تجاوز كل ذلك لاحقا في الإلقاء أو الغناء بالتصرّف في تحريكِ حرف أو بضعة أحرف . بل أنها قد تسمح في بعض الأحيان بإستبدالِ كلمةٍ بأخرى وإسمٍ بآخر ، وفعلٍ أو حرفٍ بمثيليهما دونما أيّ حرج يُذكر .

وفوق كل هذا ، فإن للبورجيله قدرة سحرية على تقمّص كافة أغراض ومقاصد النظم ، وشحن أبياته بطاقة عاطفية مؤثّرة تغري بالتمثّل بمعانيه والتأسّي بمضامينه ورسائله الفلسفية والإجتماعية والنفسية والعاطفية . زِد على ذلك أنه يتقبّل كافة المستويات الشعرية دون إستثناء ، من محاولات المبتديء الغرّ حتى روائع المبدع المتمكّن ، ليضمن للأولى ، بتقطيع وزنه المحبّب ، الإستماع على أقل تقدير مهما كانت سذاجة وتعثّر التعبير . ولعل الغريب في الأمر هو أن تلك الأبيات ـ البسيطة والأقلّ شاعرية ـ كانت أكثر الأبيات حفظا وشعبية وأستخداما .. 

1  ـ لا تسامح البنّاي فيمـا علّى              علّى الحيــوط ودرّقــك يا لللا 

2  ـ همّا الثلاثـه ماشيين إيمينه              فيهم الغالـي راشق الياسمينه

3  ـ همّا الثلاثـه ماشيين إيساره             فيهــم الغالـي راشــق النـوّاره

4  ـ في زنقة الحمّام زوز غزلّه             واحد خـذي عقلي ولآخـر سلّـه

لنتأمل ، هنا ، كيف تسعى أبيات "البورجيله" بالمحبّة بين القلوب ، خِفيةً في باديء الأمر ، لتضرم النيران من بعد ذلك شوقاً وعشقاً وتعلّقاً .. فهذا يجِدُ ويعاني مع كل دورةٍ للرحى ، وذاك مذهول بما يتطايرُ أسفل غطاء الرأس من خصلات شعرٍ حائرة ، وتلك ، ولعظيم محبتها ، لا تمانع الإنتظار سنين طويلة لتحظ به زوجاً ، وهذا يُحدِّثُ ، كالمجنون ، القرطَ بين يديه ، بل ويحمّله السلام ! ، والآخر يصف ويُشبّه ويتشبّب ، فيما يتمنّى الثاني رسولاً مخلصاً يسعى ما بينه وبين حِبِّه ، أمّا ذاك ، فقد إسترعى إنتباهَهُ ، لنباهتهِ ، إلى جانب جمالِها ورقّتِها بالطبع ، بيتُ أهلِها الذي يَحظى ، لإتساعهِ وفخامتهِ ، بمدخلين إثنين .. و"سقيفه" !!.

5 -     تُطقّ في الرحى نَحسابْ تُنقش فيها    وهي طَقّهـا في كبيدتي تَاريهـا

6  -   زِيـن العصابه وزين مِن كَوّرها       وقُصّه علي حَاجِب رِقيق شعرها

7  -    نْراجيـك يا كركـار طرف عباته       كيف عام كيف تنتين كيف ثلاثه 

8  -    يا خُرص سلّملي علـي مُولاتِك          تَلبس غلانَا كِيـف ما لِبسَاتِـك 

9  -    عليك شَابّه والريح هَـبّْ غطاهَا       قمرْ زَاهيه وزَاد السحاب جلاَها

10 -       واللــه يا قِلّــة رِسيـلْ يهنِّـي          يجيـب الخبرْ مِنّك ويَـرفع مِنّي

11 -       يا حُـوش بُو فُمّين فِيه سقِيفَـه      فيه لَريلي لَسبط رِقيـق الصِيفه

 

ولكن مهلاً .. ما هو البورجيله أصلا ؟!..

    "البورجيله" هو ميزانٌ ونمطٌ شعري شعبي ينتشر ، بشكلٍ واضحٍ في كلٍّ من ليبيا وتونس ، وهو يتبع في تصنيفه في تونس ما يُعرف بـ (الملزومه) ، وقد سُمّيَ بالبورجيله كَونه يرتكزُ في غناءه على (رجل واحدة) أي على جانبٍ واحدٍ من التشطير . 

 

ويتركّب قصيد البورجيله ، في العموم ، من مطلع (أو طالع)  يتمثّل في شطرتين ( صدر وعجز) متماثلتين في الوزن والقافية ، ومن عددٍ من البيوت (أو الأغصان أو الأدوار) ، يتكون كلُّ بيتٍ فيها من ثلاثة تشطيرات (يكون أولها ناقصاً) تتحدُ في قافيةٍ جديدة ، وتشطيرة رابعة يُرجَع بها لقافيةِ المطلع . وقد يُتفنّن في نظمِ زجل البورجيله بإضافةِ شطرتين أخريين للبيت تنسجم فيها قافية الأولى مع قافيةِ البيت ، فيما تَرجع قافيةُ التشطير الثاني للمطلع وهنا يسمّى بـ "البورجيله المزيود" .

ولكن ما أحببتُ التركيزَ عليه في هذا المقال تحديداً ، هي تلك الأبيات المُفرَدة لا القصيد ، أي مطالع البورجيله التي لا بيوتَ ولا أغصانَ لها ، والتي أسمّيها بـ " أبيات البورجيله " ، وهي أبيات لا يُعرف قائلها أو قائلتهـا ، وتنتشرُ وتشتهرُ سريعا لسهولةِ ويسرِ حفظِها وتداولِها ، وهي ليست فقط ببيتِ القَصيد وإنما هي " البيتُ القَصيد " ، فهي بيتٌ واحدٌ لا غير ، دونما شرح ولا إضافةٍ ولا تعقيب ، مطالع منفردة ومعبِّرة ، ورغم وقوفها وحيدة ، فإنها تختزلُ في طَيّاتها بذورَ قصائد طِوال لِمن أحَبّ أن يتخيّل .. أو أن يُكمل البِناء . 

وأبيات " البورجيله " لا تتوقف عند حدّ وصف أحوال المحبين ممن أصابهم سهام الولَه ، وجرت بعقولهم "لوثة" العشق ، وإنما عبّرت عن كافةِ اللحظات الإنسانية الدقيقة التي يَحتاج فيها المُنشيءُ والمتمثِّل ، على حدٍّ سواء ، إلى التعبير بكلماتٍ موجَزة ومؤثِّرة ومكثَّفة عن أحاسيس ومواقف إنسانية غايةً في الخُصوصية . ولعل الفقر و"العازه" والإحتياج تأتي في مقدمةِ هذه المواقف والأحاسيس :

12 -   شِـن بيّعـك في أمّ العَناق الزِينـه             إمفيـتْ العويّـل لاَ قلبلِـك عِينـــه 

13 -   الصَايبـه وفــراغ لِيــد إيكيــدُوا              ويقصّروا في العمر مُوش يزيدُوا

14 -   عَدوّك فراغ إيدِك حَبيبك مـالِك                بَلا مَال راهو يكرهُوك عيَـالِـك

وكذلك هي "الموجعَه" ، وهي تعبيرٌ عن الإساءةِ ، غير المتوقعَة في أغلب الأحيان ، التي قد نتعرّض لها من قِبلِ حبيب أو قريب أو صديق أو جار :

 15 -   المُوجعه في القلب يا مصعبها          تُخطر عليّا لا وقفّ صَاحبها 

16 -   الموجعه في القلب ما ننسَاها           تُخطر عليّا لا وقف مُولاهَـا

17 -    يا عين إبكي ويا حديـده رِنّي           أني صَاحبي بالموجعه بَدّلني

18 -   قلبي خَزنْ مِنّكْ خَزين الصَابه          والعين لاَ رَاتِك تدِير ضبَابـه

وهناك أيضا الأبيات المرتبطة بمفاهيمِ "السعد" و"البخت" وهي تعبيرات محلية للحظّ والتوفيق والنجاح :

19  -   أني خِيرني وخِير الزمان معايَا         قِدّام وِجهي تِيبس الخُضرايه

20  -   البخت ما عنديش غِير شويّـه           مع كلّ حـدّْ حتّى مع إمّاليّـا 

ومـن مواضيع البورجيله أيضا موضوع "خيانة العهد" و"إخلاف الوعد" ما بين المتعاهدين من المحبين والأصحاب على حـد سواء :

 21 -  عيُون المحَبّـه مِن بعيد إيبَانُوا        كان دَنقرُوا يا نَاس راهُم خَانُوا 

22 -   يا عين كُونـي ثابتة ورزينـه          باريك من صَاحبْ مواطي عِينه

23 -  لو كـان يَابَــا خَاطـرِي يهنّيني          علي بَاردِيِـن النوّْ ما يشقّيني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كراريس(2)المحبة

كتبها الهادي حقيق ، في 22 يونيو 2009 الساعة: 23:03 م

 

وكما وعدت في إدراج سابق (كراريس(1)المحبة) ، فإنني أنقل لكم عن صفحات الكرّاس ، قصيدا جميلا يقطر ذوقا ورقة ، وله قصّة ..
وأبدأ بالقصة : كنّا ، في أيام الجامعة ، نقيم إحتفالا بإحدى المناسبات ، وفجأة دخلت مجموعة من الأساتذة كضيوف على الحفل ، لم نكن نعرفهم ، ثم تبين بعد ذلك أن مؤتمرا عربيا ينعقد في تلك الفترة بالمدينة وأراد الإخوة الترفيه عن الضيوف بجلبهم لهذا الحفل الطلاّبي الجامعي .. وبعد توالي الفقرات ، يبدو أن أحد الضيوف قد إستثاره المغنى العاطفي وجوّ الحماسة والإستمتاع الذي كان يظلل الحفل ، فهبّ واقفا .. صعد ركح الحفل ، وتقدم إلى مكبّر الصوت ، ورغم حيوية الشباب التي كانت تغمر حركته ، فإن الرجل كان عجوزا بشعر أبيض ، ولكنه وبإبتسامة رائعة ، وبتأن وتلذذ بالإلقاء لم أعهده من قبل .. بدأ الحديث ..
إستأذن منّا في أن يقول شعرا في الغزل ، فتعالى الصياح بالموافقة من الحاضرين ، وأوضح أن القصيد "ولم يذكر ما إذا كان له أم لغيره" عنوانه (روزنامة حبّ) لأنه قد نُظم على أسماء أيام الأسبوع ، ولأن يوم الحفل كان يوم إثنين ، فإنه إبتدأ بالإثنين ، فقال ..
" مع تعليق إستمتاع من عندي لا أستطيع منعه ، أرجو أن لا يشوّش القراءة " ..
ـ الإثنين :
وعدتَ حبيبي فأين الوعدُ ؟ ووعدُ الحرِّ ، حبيبي ، دَيْنْ .. (صحيح !)
بأنّك ترجعُ في يومين .. وها قد مرّ زها شهرين .. (أيوه .. هكّي فيه مشكل !)
ومرُّ البعدِ .. (إنعم ..) ..
كمرِّ الشكِّ .. (مزبوط) ..
ومرّ البعد كمرّ الشكّ ، فكيف أعيش على مرّين ؟ (صعب) ..
وكيف تغيب عن العينين ، وأنت سوادُ سوادُ العينْ ؟ (الله ..) ..
فهل بددت جنون الظنّ ؟ .. وهل خففت عذاب البينْ ؟ .. (كيف ؟ شن ايدير .. ؟)
وهل أرسلت بمن ينبئني .. متى ألقاك ؟ ، وكيف ؟ ، وأين ؟ ..
من الاثنين إلى الإثنينِ إلى الإثنين إلى الإثنين .. (يا سلام !) ..
 
ــ الثلاثاء ( وهنا للتخفيف يوردها : الثلاثا بحذف الهمزة ) :
ملّكت حِبّي زمامَ قلبي .. (أمر متوقّع) ..
ملّكت حِبّي زمامَ قلبي .. فمُذ تولّى : بَغى وعَاثا .. (أيوه .. هذا مش في الشرط) ..
وصُنت منه الودادَ حبلاً .. (أصيل .. وتعرف قدر المحبّة) ..
وصنت منه الودادَ حبلاً .. فلم حبالي غدت رثاثا .. (هذا حبيب ظالم) ..
وعِشت فيه الهوى وفيّا ، وعَاش فيّا الهوى إنثكاثا .. (إنعم ..) ..
فقُل حبيبي بأيِّ حقٍّ ، جعلت أحلامي .. ضغاثا ؟ (الله !!..) ..
وقلْ حبيبي بأيِّ شرعٍ ، أجزتَ تطليقي ثلاثا ؟ (يا سلام ..) ..
فعُد حبيبي ونورَ عيني ، أغِثْ حبيباً بك استغاثا (أيوه .. أيوه) ..
من الثلاثاْ إلى الثلاثاْ إلى الثلاثاْ إلى الثلاثاْ
 
ـ صفحات أخرى من الكرّاس الأصفر :
أحيانا تصادفك فكرة ، كلمة ، أبيات شعر ، تثير إنتباهك بقوة ، وتجبرك على التوقّف عندها وكأنها تدوس على مكابحك فجأة ، وتشغّل كافة مفاتيح أجهزة الإستقبال في العقل والقلب والروح ، تنقلك توّا إلى أجوائها ، وتبثّ فيك سريعا حزمة المشاعر التي تتضمنها : بقوة ، وسلاسة ، وعمق .. من بين هذه ، وقد أثبتها هي الأخرى على صفحة من صفحات الكرّاس ، هذه الأبيات :
 
يَا مَنْ يُعاتِبُ مَذْبُوحاً عَلى دَمِهِ
وَنزْفِ شِريانِهِ مَاأسهلَ العَتبَا
مَنْ جَرَّبَ الكَيَّ لا يَنْسَى مَواجعه
وَمَنْ رَأى السُمَّ لاَ يشقَ كَمَنْ شَرِبَا
حَبلُ الفجيعةِ مُلتفٌّ عَلى عُنُقِي
مَنْذَا يُعاتِبُ مَشْنُوقاً إذَا اضْطَرَبَا ؟
الأبيات تذكّرني بإجابة الشاعر الكبير مظفّر النوّاب ، وكان لايتورّع عن السبّ في قصائده القومية ، عندما سئل عن سبب هذه البذاءة في شعره ، وكيف أنها قد تنفّر القرّاء عن قصائده ، أجاب : "إن الصرخة تكون على قدر الطعنة وعمق الجرح" ، وحقا : من ذا يعاتب مشنوقا إذا أضطربا ؟ .. !
ـ وأيضا من الأبيات المترعة بالمشاعر الإنسانية الفياضة ، قول أحدهم :  
وَهتْ عَزمَاتُكَ عِندَ المَشيبِ
وَمَا كَانَ مِنْ حَقِّهَا أنْ تَهيْ
وَأنْكَرتَ نَفسَكَ لمَّا كَبِرتَ
فَلاَ هِيَ أنْتَ ولاَ أنتَ هِيْ
إِذَا ذُكِرَتْ شَهواتُ النفوسِ
فَمَا تشتهي غَيرَ أنْ تشتهي
ـ وهذه أيضا ، وهي لنزار عن أطفال الحجارة ، شرف الأمة :
 بهروا الدنيا ..
وما في أيديهم إلاّ الحجارة
وأضاءوا كالقناديل ، وجاءوا كالبشارة
قاوموا .. وأنفجروا .. وأستشهدوا
وبقينا دببا قطبية
صفّحت أجسادها ضد الحرارة
ومن الحكم والأفكار على صفحات الكرّاس :

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أُطلق عبستك وشدّ خبزتك !!

كتبها الهادي حقيق ، في 9 يونيو 2009 الساعة: 15:31 م

 

 حديث اليوم

      الأستاذ الحاج محمد حقيق

        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 قالت الناس لوّله : أطلق عبستك وشدّ خبزتك . لأن بشاشتك في وجه الناس تغني علي أنّك تعطيهم شيء .. وإلاّ تسلّفهم شيء وإلاّ تتفضل عليهم بشيء . النفس بطبيعتها تحبّ اللي يشرهب بيها أكثر من اللي يعطيها .

وحسن الخلق ، أظنّي ، ما أحسن منّه للإنسان شيء ، إذا كانه بهاذاكا الوجه البشوش ، وبهاداكا الخُلق الحسن الفاضل يقابل جميع الناس ، جيرانه وأقاربه ، وكل من هوَّ حوله وكل من يتعامل معاه .

وأظنّي حسن الخلق هو أهمّ أعمال أهل الجنّه ، وأن الله سبحانه وتعالى وقـت مدحّ سيّد الكائنات عليه الصلاة والسلام مدحه بحُسن الخُلق في القرآن الكريم .
لمّا تكون إنتَ صاحب خُلق حسن وأني كذلك وهاداكا كذلـك .. آش يصير.. ؟ يصير أنّ كلّ واحد مننّا معاش تكون عنده ريبه في الآخر ، وكلّ واحد منّا يتفرّغ لشؤونه ولمصالحه . مايقعدش خايف : " يا أولادي فلان خاطم عليَّ بكري ينفخ ويكوّش ، تي بالك يسالني حسيفه ، والاّ الراجل حاسدني ، والاّ الراجل بيني وبينه حاجه ، والاّ قالوله عليَّ حاجه والاّ حاجه ". وعلي هذا .. الإسلام أمر بإفشاء السلام ، وعلي هذا .. تحية الإسلام هي المفتاح باش تعرف صاحبك هوَّ شكون وإنتَ شكون .
آه يا سيدي ، سي فلان هذا لما قلناله هالكلام ، قال : " والله أني راجل ما نعرفاش كيف نقدر إنكلّمه والاّ نعرف شن عنده والاّ ما عنداش ؟ " . ما فيش ما تعرف ، لمّا تجي خاطم عليه قولّه السلام عليكم ورحمة الله ، توّه اللي عنده يبان . أولاً إنت تطمانله بعد يردّ عليك ، ويجب أن يكون الردّ بهاذيكا الحراره ، وتعرفه إشكون هوَّ ، وهوَّ يطمانلك بمجرّد ما إنت تطلق عليه السلام .
وتعرف الشاعر الشعبي شن قال في هالموضوع هذا ، قال :
ودّك حصان أزرق وودّك موقه          وودّك تساعد كل حدّ بخلوقه
يعني لما الواحد يكون عنده حصان أزرق ، ولحصان لزرق هذا هوَّ أقوى الخيول ، وتكون عنده موقه ، واللي ربما تكون نوع من انواع السلاح القيّمه زمان ، تكون عنده موقه وراكب حصان أزرق ، هذا من بيتكلّم معاه ؟ ، حتى في الأمثال يقولّك : إيّح يا راجل تي هوَّ راكب لزرق ، يقدر حدّ يتكلّم معاه والاّ يتفاهم معاه ؟ .
إنعم ، قالّك وقت اللي تكون إنتَ عندك هذا الحصان ، وعندك هالبندقه هادي ، في نفس الو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ديرولي عالعين حجاب

كتبها الهادي حقيق ، في 4 يونيو 2009 الساعة: 16:47 م

 

عَالعِين حجَابْ ..
ماِزلتْ شبَابْ ..
ونِفْهِم فِي لِملأ ولَحْسَابْ
ودِيرولِي ..
 
ماِزلتْ صغِيرَه ..
ونِفْهِم حتّى إفْصَرف الليّره
بنَادِمْ .. عَقلَه فِي تدبِيرَه
لا فِي دِسْكَهْ .. ولا فِي كتَابْ
وزِين بنَادِمْ حُسن السِيرَه
لا حجَابْ مقَوّر لا شنَابْ ..
وحُبّ المَالْ ذهَابْ الشِيرَه
ولِمحَبّه تكثّر لَصحَابْ ..
ودِيرولِي ..
عَالعِين حجَابْ
ماِزلتْ شبَابْ
ونِفْهِم في لِملأ ولحسَابْ
ودِيرولِي ..
 
وماِزلتْ رزِينَه ..
وماِزلتْ حكِيمَه وفطِينَه ..
نِفْهِم في اللي يلُوعبْ عِينه
وفي الطمّاع وفي الخِنّابْ ..
وفي اللي نَاوي يدِير الشِينَه
اللّلاَ دارتلَه كِتّابْ ..
تخطّطْ وتلَهلِق .. مِسكينَه
تي رزق الدِنيا راهو سرابْ
ودِيرولِي ..
عَالعِين حجَابْ
ماِزلت شبَابْ
ونِفْهِم في لِملأ ولحسَابْ
ودِيرولِي ..
 
نصُونْ قرِيشَاتِي ..
لِين خيَار الوقتْ يواتِي ..
ما أندقْدِقْهُم غِير كوَاتِي
وإمّاكينْ مغير حسَابْ
وهَاتِي وخُوذي وخوذي وهَاتِي
صرفْ هبَالْ بدونْ أسبَابْ
واللي مَا يخَمّم عَالآتي
يا قعَادَه متوسِّدْ لعتَابْ
ودِيرولِي ..
عَالعِين حجَابْ
ماِزلتْ شبَابْ
ونِفْهِم في لِملأ ولحسَابْ
ودِيرولِي ..
 
وماِزلتْ نوَرِّي ..
وماِزلتْ نعلّم ونقرِّي
وما نخَطّط حَاجه فِي سِرِّي
إلاّ ما نبَرمِجهَا صوَابْ ..
مِشْ زَيّ اللي شَرّ إتدرِّي ..
لاَ تخلّي بعَادْ ولا قرَابْ
إفْحالي .. شَادّه خِيري وشَرِّي
لا أنقطّعْ .. لا أندير نشَابْ ..
ودِيرولِي ..
عَالعِين حجَابْ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من طاح قلبه .. مات !!

كتبها الهادي حقيق ، في 29 مايو 2009 الساعة: 19:34 م

 وقت اللي مرض ولد سلطان البحر ، وكان هوَّ وحيد أمّه وبوه ، راج هاذاكا القصر ، وجتّ الطبّه من كل مطراح ، وكلّ واحد يقول كلام . لكن الشيء اللي إتفقوا فيه هو أن مرض لوليد عجيب وغريب .

وجُوُّ سكّان لبحر من كل شكل ولون ، واللي يجي يجيب معاه نوع مالدواوات . ما فادش . إميمته وأوبيّه مطلوقه فيهم النار ، منكبّين عليه ليل ونهار يستنّوا إفرحمة ربي .

 
إلى أن جي قنفوذ البحر : بالكم .. بالكم . في اللوّل الحرّاس ما بوش يخلّوه يخشّ ، بعدين السلطان قالهم : خلّوه يخشّ بالك الشفي علي إيديه إنشاء الله .
 
شبح قنفوذ لبحر لوليد ، قالهم هذا دواه ساهل . كيف ؟ . قالهم : دواه مرهون في قلب قريد صغيّر وتوّا ينوض كأنه يكذب .
 
فرح السلطان ومرته واستفالوا بكلام قنفوذ البحر خير . وضربوا البارازان وجت جميع أنواع الجنود . شكون يمشي ؟ شكون يمشي ؟ . إختاروا الفكرونه ، وإختاروها لأنها أشبه ما تكون بالمركب ، تقدر تجيب المطلوب بالراحه .
 
عطوها الخريطه ، وورّوّها الشطّ اللي يلتقى فيه القرد المطلوب . وجت هاديكا الفكرونه تبوّج علي الموج ، مشرّق .. مغرّب .. مشرّق .. مغرّب ، لين وصلت للشطّ .
 
صدفه هاذاكا القريد ينقّز علي الشجيرات اللي قريّبين من الشطّ ، نزلت الفكرونه ودارت روحها تتدهور علي الشطّ ، أول مرّه خاف منها القريد ، ركب إفراس الشجره  .
 
قعدت هيَّ تلعب تحفر في القزّه ، بالشويه بالشويه ، إستأنس ، جي يلعب أحداها ، كلام يجيب كلام ، إنت منين ؟ .. بلادكم شن فيها ؟ . قتله : إيه بلادنا .. فيها الفستق وفيها اللوز وفيها الكاكويه .. حتى مالموز فيها . قالها : آه يا ريتني نقدر نوصلها . قتله : أني نرفعك كانك تبي تمشي .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طال المُوح

كتبها الهادي حقيق ، في 25 مايو 2009 الساعة: 15:19 م

 

طـال المـوح روّح يـا غـريـب

راهـو الوطن ما كيفـه حبـيب

 

راهو الوطن جنّه

بعيــد عليــه مـا تلـقـى مـحنّـه

شـاقـي دوم عمـرك مـا أتّهنـّا

ولا تلقــاش لوجـاعـك طبيـب

 

راهو الوطن غالي

مهما تكون طول الوقـت جـالي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إيشْ حَيّركْ ؟ ..

كتبها الهادي حقيق ، في 24 مايو 2009 الساعة: 06:25 ص

 

إيشْ حَيّركْ ..

وإنتَ دِليلْ العقلْ عِندكْ غَادي

ياللّي الرُوح فدَاكْ ..

إيشْ غَيّرك

وآني إنكايرْ بيك بين إندادي

واللي قداي إقْدَاكْ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مغاني “البوطويل” في المأثور الشعبي الليبي

كتبها الهادي حقيق ، في 17 مايو 2009 الساعة: 16:23 م

 

 .. ولا أعرف دمعا يختلط فيه الحزن بالفرح كدمع الأمهات عند زفاف بناتهن ، فهي دموع حزن الفراق والبُعد والإنفصال ، وهي كذلك دموع فرحة التوفيق والنجاح في إتمام واجب الأمومة، وإنطلاق البُنيّة الغالية لبناء أسرة جديدة خاصة بها على سنّة الله ورسوله .
 
ولعلّي بالأم في لحظة من لحظات العُرس ، وقد وقفت برهة تتأمل المناسبة ، تمرّ بها صور الماضي سريعة مشرقة ، إذ هاهي التجاعيد المباركة تلوح في وجه "القابله" وهي تبشّرها بسلامتها وسلامة إبنتها ، وهاهي بسمة الطفلة الملائكية تطلّ عليها وهي ترفعها عالياً "لتربّجها" على أحلى الأبيات ، وهاهي البُنيّة تحضنها بيديها الصغيرتين فرحة بأول "خميسه" تُهدى لها في "الميلود" ، ثم هاهي تنطّ بخفّة الصبيّات على الحبل أو تجرّ "الشقّيفه" بقدمها الصغيرة بإقتدار على مربّعات "النقّيزه"، وهاهو صوتها يتناهى من بين أصوات صويحباتها وهن يغنين من بعد خروجهن من "العريفه"… وفجأة ، تصحو الأم من سرحانها ، لتجد الجارات وقد أمسكن بيدها يدفعنها إلى وسط حلقة العُرس وهنّ يطالبن بـ "رقيصه"..
 
وفي المقابل ، أحسبُ أن مشاعر الأم عند زفاف إبنها فرحاً خالصاً ، ربما مشوباً ببعض الفخر والاعتزاز ، ولكن قطعاً لا يخالطه حزن الفراق ، فالصبيّ له حياته خارج البيت مع الأقران والأصحاب والخلاّن ، وليس لصيقا بوالدته كما هو حال البنيّة التي تتقاسم مع أمّها الأيام والأشهر والسنوات ، ساعة بساعة وموقفا بموقف وإحساسا بإحساس .
  
على أية حال ، العرس بهجة وسرور ، وعالم تراثي يعجّ بالصور والأصوات والحركات والتفاصيل الفرحة والمرحة التي تجرى وفق طقوس وعادات خاصة ، يتوارثها الآباء والأمهات عن الأجداد والجدّات ، ليورّثوها من بعد ذلك للأبناء والأحفاد بكثير من المحبة والحرص والعناية و( الله لا يقطعلنا ، لا سبر ، ولا عادة ) .
  
وفي العرس لا تسل عن التكاليف! ، فهو سويعات وأيام تستقطعها الأسرة خارج إطار المألوف والمعروف .. والمصروف !! والأمر حقا كما قيل قديما ( أعطي بنتك وزيد عصيده !) و( اللي ما يجي مع العروس ما يجي مع خالتها ) و( ما يشكر العرس إلاّ اللي شبع فيه !) . على أية حال ، المناسبة تستحق ، فهي فرحة العمر ، و( اللي ما تجوّز وما بني ما يعرف ماله وين مشي ). أمّا من أكرمه الله بقلّة ذات اليد فلا يمكن لأحد أن يلومه على ردّه العفوي لإبنه ( قالّه يا بوي خودلي إمراء ، قالّه كان دام الحال علي هالحال حتّى أمّك نطلّقوها !!).
 
 ومن نصائح الأفراح للمارّين بالعرس ( كان خلاّك مولى العرس كول بلا غسل إيدين) ، ولأم العروس ( أعطي لبنتك الزين والبهي والزقاطه يعلموهالها النسي ) ، ولراغب الزواج ( عليك ببنات لوصول راهو الزمان يطول ) . أما للعروس ، فلعل الدعاء أوجب هنا من النصيحة ( إجعلك نوّاره في عيون النغّاره ) . ويمكن تلخيص أهمّ أحداث العرس ـ وهذا يتوقّف بالطبع على فلسفة الملخِّص ـ في ثلاث أمثال : (العريس يتعرّس والمشوم يتهرّس) ،و( شكّارة العروس أمها وخالتها وعشره من قبيلتها ) ، أمّا أكثر التلخيصات مدعاة للأسى فتلك المتعلقة بسييء الحظّ وهو الذي ( رافع القصعه وما يعرفش حوش العرس وين !! ) .
 
 هذه التوطئة ـ والتي يبدو اننا سنعتادها ـ تساعد كثيرا في بثّ وإشاعة أجواء الموضوع في بضع كلمات وتعابير وجمل وفقرات ، ليمكننا والقاريء الكريم من بعد ذلك ، الحديث بأحاسيس مقاربة للواقع عن "غناء البوطويل" كاحدى التفاصيل التراثية للعُرس .
 
و"البوطويل" هو كلمات تتأرجح بين الشعر والسجع والنثر ، تتالف من ثلاث مقاطع تغنّى بالمدّ وتطويل الصوت بما يضمن قوته من جهة ، وإصلاح أي زحف في المقاطع من جهة أخرى ، وعادة ما تشارك الحاضرات جميعهن في المغنى بعد أن ينقسمن إلى فريقين يتناوبن الغناء بيتا ببيت ـ ليتمكن كل فريق من إسترجاع النفس كل مرة ـ . ويزخرف هذا المغنى ، ربما للحفاظ على الوزن وموسيقى الكلمة ، بآهات واصوات إضافية قد تجعل من البيت المغنّى غير واضح تماما للسامعين من غير العارفين بهذا الفنّ . ومواضيع "البوطويل" عادة تنصبّ في الإستبشار والتفاءل بالفرح ، ومدح العريس والتشبّب بعروسه والفخر والإعتزاز بالأسرة وشيمها ، كما تتناول مغاني "البوطويل" الحبّ والزواج والأمومة والأبوة والبنوّة وغير ذلك من المواضيع الإنسانية العاطفية الرقيقة .
 
* ـ   قالت أمّك يا بنيّتي ، ومسرع ما مشيتي ، وفي الحوش منهو خلّيتي ؟ .
* ـ   وعلاش تبكي يأمّ السوار ، والدمع قطّار ، وإنتِ نزلتي خيار الدار .
 
ومن مغاني " البوطويل " التي تردد بإستمرار عند مباشرة الفرح تذكير الحاضرين بالصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وسلّم ، وأستحضاره في القلب ـ وكذلك الإمام عليّ كرّم الله وجهه ـ لجعل العُرس مباركا ، وليتممه الله سبحانه وتعالى بالخير . وهذه المغاني مصاغة على لسان الأم ـ صاحبة الفرح ـ التي تقول أنها كانت تنتظر هذا اليوم السعيد منذ زمن بكل الشوق واللهفة .
 
1 ـ   باللّه صلّوا يا حضّار ، كبار وصغار ، عالنبي الهادي المختار .
2 ـ   حضّرت محمّد وعليّ ، وبديت نكسيّ ، كمّل عليّا يا ربّي .
3 ـ   وهذا النهار اللّي نبّيه ، والقلب شاهيه ، وإجعل محمّد حاضر فيه .
4 ـ   على أوّل ما نبدأ البادي ، هيه يا أسيادي ، بالصلاة عالنبي الهادي .
 
ولا تنس الأم التبرّك بذكر الصالحين من أمثال سيدي عبد السلام الأسمر وسيدي محمد بن عيسى وسيدي الشويرف ، وكذلك ببركة يوم الجمعة ، وهي تدعو بأن يحفظ الله إبنها العريس ويجعله ـ وعروسه ـ عمار بيت الأسرة .
 
5 ـ   ناديت يا شويرف ناديت ، يا قصير الحيط ، ونبّي الغالي عمار البيت .
6 ـ   سيدي محمد بن عيسى ، شيخ الحضاري ، ونجّيك لأمك يا غالي .
7 ـ   ويا بركة الجمعه الجديده ، ولسمر وسيده ، نجّيك لأمك يا حميده .
 
ومن بعد ذكر إسم الله ، والصلاة على رسول الله ، والتبرّك بصحابته واولياء الله الصالحين ، تدعو الأم الحظّ "السعد" بأن يشارك هو الآخر في هذا العُرس الميمون ، كنوع من الإستبشار والفأل الحسن .
 
8 ـ   يا سعد يا مسعود تعال ، من روس لجبال ، نبّوك تحضر هالموّال .
 
ولمّا لم تكتفِ هذه الأم الفرِحة بكل هذا الدعاء لجعل العُرس طيبا مباركا ميمونا ، ولإهمية أن يكون الطقس مناسبا ، فإنها لا تتردد في أن ترسل للتيّار البحري الشمالي رجاءاً بأن يهبّ بالهواء اللطيف البارد طوال أيام الفرح ، وذلك حتى يمكن أن "تعول" وتعمل هي وأحبابها في العرس دونما ضيق من حرٍّ أو قيظ . ويستجيب "البحري" على الفور إرضاءا لهذه الأم الطيّبة ولإبنها العريس الباسم الوجه الضحوك .
 
9 ـ   دزّيت للبحري يجينا ، يبرّد علينا ، نبو نعولوا إفّرح غوالينا .
10 ـ هاداي فرحك يا هشهاش ، بحري ورشراش ، حتى اللي يعول ما يعياش .
 
وبعد إطمئنان هذه الأم الصالحة على كل ماسبق ، "تستاذن" الضيوف ، فالوقت بات مواتيا لإشهار العُرس ، ولإعلان فرحها الغامر للجيران وهي تدعوهم لمشاركتها هذه المناسبة السعيدة ، وتؤكد بأنها ستغني جذلى في عرس إبنها بالصوت العالي وعلى روؤس الأشهاد .
 
11 ـ غير أفرحولي يا جيران ، والساس في الساس ، اللي فرحت ودرت لعراس .
12 ـ ونبّي نغنّي ونلالي ، في راس العلالي ، نجّيك لأمك يا غالي .
 
وعلى الفور ، يستجيب الأقارب والأحباب والجيران لهذه الدعوة العارمة للفرح ، فيأتوا زرافات ووحدانا مهنئين مباركين ، ومتعهدين بأن يساهموا في العمـل وتقديم الخدمات ـ بكل المحبة والودّ ـ في هذا العرس حتى يكون يوما من أسعد وأبرك الأيام .
 
13 ـ جيناك يا غالي جيناك ، علي عيون باباك ، بنعولوا إفّرحك معاك .
14 ـ مبروك يا غالي مبروك ، على أمّك وبوك ، وعالجماعه اللي يحبّوك .
15 ـ وجيناك يا لغالي جيناك ، ناسك وقرباك ، نبوا نحضروا هالفرح معاك .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فنّ “التربيج” في مأثورنا الشعبي

كتبها الهادي حقيق ، في 13 مايو 2009 الساعة: 07:36 ص

 

 .. وما أن تنطلق صيحة الوليد الأولى في هذه الدنيا حتى تعلو "الزغاريت" ، أولى مظاهر عالم التراث الذي سيدخله الطفل ليتشرّب منه ، على مهل وصغر ، قيمه وتقاليده ، متدرّجاً في مدارس آدابه وفنونه المزركشة الألوان والأصوات والحركات .
 
"الزغاريت قبّه عند أهل المزيود" هكذا نقول ونحن نصف فرحهم ، وكأنما هذه الزغاريد التي تعلن الفرحة للقريب والبعيد على حد سواء ، قد صارت لكثرتها وعلوّها وحدة نبراتها بناءا مادياً ضارباً في العلوّ كالقبّة التي يراها الجميع .. بآذانهم !! .
 
وبعد أن يُسمّى الرضيع إثر جدّه أو جدّتها ، ويُلفّ بلفائف "القماط" ، وتُعلّق الودائع والتمائم "الحجاب والحويته والخميسه والقرين" في أطراف ثوبه منعاً "للعين" وحسد الحاسدين ، تبدأ تلك العلاقة الرائعة ما بينه وبين أمّه ، لتتعلّم معه ، من جديد ، الحياة بكلّ تفاصيلها ، زارعة في وعيه الإنساني الغضّ أولى بذور المعرفة بالدنيا وبالبشر وبالعلاقات الإنسانية .
 
وباديء ذي بدء ، ومع أولى قطرات حليبها الدافيء ، يتشرّب الرضيع محبّتها وحنانها ورحمتها وفرحها بمقدمه الميمون ، فينمو في داخله الشعور بالإنتماء والأمان ، ويحسّ بأنه يمكنه الإعتماد على وقوفها إلى جانبه على الدوام ، ما أن يصيح بطلب العون حتى يطلّ وجهها .
 
لنتأمل بعضاً من أمثالنا الشعبية وهي تحدّثنا كيف أن إنقطاع الحبل السرّي بين الأم ووليدها عند الوضع إنما هو إمتداد لحبال عدّة ، وروابط عاطفية تشدّ بينهما العرى وثيقة مدى الحياة ، لتكون هذه الرابطة الإنسانية الجليلة " الأمومة ـ البنوّة" الأسبق والأعمق والأوثق .. فهي تتجسّد لدى الإبن عند النطق والتذوّق "كلمة أمّي كيف العسل في فمّي" .. وعند الشمّ "صنّة أمّي تحييني ولو كان بالسمّ تسقيني" .. و" صنّة أمي عليك يا خالتي " .. وفي شعوره ، عند وجودها قربه ، بالحماية والسند "القعود البرطاع أمّه في البلّ" .. وفي ثقته الكاملة في قراراتها وأعتماده على حسن تدبيرها فـ "الناقه ما تضرّش حوارها" ..
 
ويصل هذا العشق إلى درجة إحساسه بأنه "ما بوي إلاّ بأمّي" ، و"ما يتيم إلاّ يتيم الأمّ" لأن "اللي يموت بوه يتوسّد الركبه" ، و"اللي تموت أمّه يتوسّد العتبه" ، بل أن هذا العشق ليشتطّ حتى يصل حدّ " اللي ياخذ أمّنا هو بونا " ! ..
 
 ومن جانب الأم فإن محبّتها لهذا المولود هي محبّة مطلقة وعارمة تغمر كل الحواس حتى ليصبح "كل قرد في عين أمّه غزال"  !! ، وتصبح العلاقة التي تربطها بأبنائها من الخصوصية بمكان يعجز الآخرون عن تقديرها "تعاركت البنت وأمها فرح العدوّ من هباله" و "داداي خير وأمّي تعرف" ! ، فالأم ترى في وليدها ، هذا القادم الجديد إلى حياتها ، أثرا وامتدادا لها "ما تفرحي يا ضرّتي خلّفتلك عروق صرّتي" ، ومثالاً أُستنسخ عنها "إكفي البرمه علي فمّها والبنت تطلع لأمّها" كما أنها ترى فيه الحبيب والسند والمعين عندما يكبر وتكبر فـ "البطن ما تجيب عدوّ" ..
 
 لعلّ هذه التوطئة التي إبتدانا بها حديثنا مهمة لإستشعار الأجواء العاطفية الجيّاشة التي تتمّ فيها عملية "تربيج" الصغير .
 
"التربيج" .. من محدودية المحفوظات إلى فضاءات الإرتجال
 
و"التربيج" أو "التجبير" هو فنّ مداعبة الطفل واللعب معه وإضحاكه وإسعاده ، ويكون ذلك بغناء الأمّ لأبياتٍ شعرية قصيرة التشطير ، خفيفة الإيقاع ، مصحوبة بحركة رياضية راقصة يستمتع بها الرضيع كثيراً ، وتتمثّل في وضع الأمّ ليديها جهة إبطيه ، وهي تواجهه ، ومن ثمّ تقوم بهزّه برفق وتناسق إلى اعلى فأسفل ، وهكذا بإستمرار على إيقاع لحن كلمات "التجبير" التي تبدأ عادة بما تحفظه الأمّ من هذه الأزجال لينتهي بها الحال سريعا إلى التأليف والإرتجـال .
 
 وعلى قدر إستمتاع الرضيع بحركة وإيقاع "التربيج" على قدر إستمتاع الأمّ بهذه اللحظات الفرحة التي تسرقها من واجبات عملها اليوميّ لتقضيها مع وليدها في لهوٍ وحلم ، وهي ترسم ، كفأل خير ، "سيناريوهات" مستقبله السعيد بإذن الله .
 
فهذه الأمّ التي "تجبّر" طفلها من "المدينة القديمة" تتخيّل الإزدحام الشديد للأحباب والأصحاب في موكب عرس وليدها مستقبلا وقد ساروا بـ "القفّه" من "زنقة الأربع عرصات" مصحوبة بـ "الزمزامات" وبـ "النوبه والغيطه" ، وتتفنّن الأمّ في وصف الموكب التخيّلي لتفتخر بعدد السلال التي وضعت فيها هدايا العروس ، والتي تصل الثلاثة عشرة "سابات" ، وهي تقول الرقم متعمدة واحد وإثنا عشر ليرنّ العدد في الأذن أكثر بقليل من ثلاثة عشر !! ، وتواصل الحلم فتصف كيف أن في مقدمة هذه الهدايا "دبالج الذهب" العريضة لزينة الذراعين ، وهي تلوح كالجمر الأحمر المتوهّج ، موضحة بأن من تفنّن وصاغها قد توفّي فلن تُصنع مثيلاتها لأحدٍ من بعد ذلك ! ..
 
يَا جبْرَاتْ ويَا جبْرَاتْ
قفّة ولدي بالدعكاتْ
يَا جبْرَاتْ ويَا جبْرَاتْ
خطمت مالاربع عرصاتْ
نوباجيّه وزمزامات
واحد وإطناش الساباتْ
ودبالج كيف الجمّرات
صايغهم قاللولي ماتْ
يَا جبْرَاتْ ويَا جبْرَاتْ
قفّة ولدي بالدعكاتْ
 
وهذه الأمّ من الباديه تدعو الله تعالى أن تصحب بركة الأولياء الصالحين "سيدي القمودي" و "سيدي الصيد" وليدها حتى يكبر ويصبح رجلا قويّا يحرث البرّ ويأتي لها بالخير الوفير ليدرأ عن أسرته شرّ المجاعة ، ولتتصدق هي من بعد ذلك على الجائعين والمحتاجين ..
 
بِيكْ جْبَرّ وبِيكْ جْبَرّ
القمّودي والصِيد حضرّ
مع وليدي حتى يكبرّ
بِيكْ جْبَرّ وبِيكْ جْبَرّ
وإنشاء الله تحرث في البرّ
وتجيب الحِملْ مكَعبرّ
ناكل ما يقتلني شرّ
ونعطي للجعّان أكثرّ
بِيكْ جْبَرّ وبِيكْ جْبَرّ
يا سلّم ولدي لنقرّ
 
أمّا هذه الأمّ فهي ، وفي مداعبة حلوة ، تحذّر وليدها من نسيانها عندما يكبر ويبدأ في السماع لزوجته ، فيأتي باللحم في كمّ ثوبه الفضفاض ، ويمرّ بعيدا عن بيت أمّه كالغريب ليعطي اللحم ، كل اللحم ، للزوجة !! ..
 
دِقْدَاني يا دِقْدَاني
رَانِك تُكبرْ تَنساني
دِقْدَاني يا دِقْدَاني
تَاخِذ كلامْ أمّ حنَاني
تجيِب اللحمه في كُمّك
وتحيّد عن دار أمّك
وتعمل روحك بُرّاني
دِقْدَاني يا دِقْدَاني
رَانِك ..
رَانِك تُكبرْ تَنساني
 
ويتحوّل "التربيج" في بعض الحالات إلى فضاء حرٍّ للتنفيس والمشاكاة ، فتناجي الأمّ الصغير ، وكأنه يعي ما تقول ، بما تعانيه من تحكّم والده ، زوجها ، وشدّته وكلامه الناريّ الموجِع ، لتُعلم الصبيّ أنها ستتحمّل وتبقى في البيت فقط لأجله هوّ ..
 
والله يا لُولاَ وِلْدِيّ
نطّلّق ما عاد إنْجِي
وكان يديرولي زُرّاقَه
وخلال يميّل كَتْقِي
لا نِحْمِل شِدّة باباك
ولا نِحْمِلْ بُوكْ ولا صدَاعه
ولا كلامه كِيف الطُبّاعه
ويِن ينوض يوجّعني
والله يا لُولاَ وِلْدِيّ
نطّلّق ما عاد إنْجِي
 
وتواصل الأمّ الحلم عبر "التجبير" فتجزم أن وليدها لن يتزوّج من الغريبات بل من إبنة عمٍّ له لا يمكنها أن تغضب منه ، وتشرح كيف أن غذاء إبنها مع هذه الزوجة القريبة ، المحبّة والمطيعة سيكون جاهزا على الدوام ، يكفيه وضيوفه متى ما طلب ، وتختم الأم "التجبير" بدعوة خيّرة للخال أولاً ، لضرورة التقفية لا غير ! ، ثمّ للعمّ ، ثمّ لكافة الجيران ..
 
دَامْ دَامْ دَامْ ودَامْ دَامْ دَامْ
وياخِذْ كَان بنَاتْ العَمّ
دَامْ دَامْ دَامْ ودَامْ دَامْ دَامْ
لا تُحْرِجْ لا تتطمْطِمّ
عِيشَه في القِدر مجمّمّ
ووين ينادي تقول نعمّ
دَامْ دَامْ دَامْ ودَامْ دَامْ دَامْ
إنشاء الله ما يَلْفَالَه هَمَّ
لا في خّالْ ولا فِي عَمّ
ولا في شارعْنَا مِلتَمّ
 
وإذا ما كان المولود أنثى ؟..
 
إذا ما كان المولود أنثى ، فإن الأمّ ، وربّما كردّ فعلٍ تجاه إحباط الزوج وأهله الراغبين في وليد ذكر يعين على الحرث والرزق ، تتفنّن في صياغة "التربيج" المناسب والمعبّر عن فرحها "بونيسة" لها من جنسها ، وتشبّه في "تربيجها" سعادتها بعطيّة الله هذه ، بفرح اليتيمة بالأخ الشقيق ، وفرح الجائعة باللحم والغذاء ..
 
سعْدِي سعْدِي بِبنْتِيّ
أعطاهالي سِيدي رَبّيّ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كراريس(1)المحبة

كتبها الهادي حقيق ، في 8 مايو 2009 الساعة: 07:18 ص

 

منذ الصغر ، ولا أقصد بالصغر هنا "القماط" أو ما شابه مثلما يدّعي الموهوبون ، وإنما أتحدث عن فترة الثانوية وبدايات الجامعة ، تملّكتني رغبة محمومة في أن أُثبت ما يعجبني من القراءة أو السماع أو المشاهدة على ورق كرّاس ..

وكنت دائما أجد الوقت لأصرف الساعات وأنا أخُطّ "وأُتكِّم" : أزيّن الصفحة بالأحمر تارة ، وبالأزرق تارة ، وبالأصفر تارة أخرى ، وأتخيّر الصور من الصحف والمجلات "تلك التي أرى أنها تتماشي مع جوّ ما أكتب" ، وألصقها الكرّاس بعناية وحرص وشغف وأستمتاع ، وقد أسطّر خطّين أو ثلاثة "لوازم الصنعة والإخراج" ..

وقد وصلت هذه الكتيّبات حتى تاريخه إلى أربعة أو خمسة كراريس ، مليئة بالمشاعر والخواطر والحكمة ، وبالصور وكلمات الأغاني والشعر والأمثال ، ومترعة بالقلق والملل والمحبة ، تلوح من ثناياها الفرحة الخالصة حيناً ، والدمع والآهات أحايين أخرى .

وقدّ عنّ لي أن أشارك حصيلة تلك الكراريس "الخاصة" من يحبّ ، كحالي ، "فنّ الإنتقاء والإختيار" ، وإن كنت وبإعتباري "بطل القصّة "سأختار من هذه الكراريس ما يروق لي ، وما يثير في النفس والذاكرة بقايا وشم محبة باهتة أو رسم ذكرى بعيدة ، عسى أسترجع بعضا من تلك اللحظات التي كنت أسرقها من كل يوم دون أدنى علم من مؤشّر عدّاد العمر المتسارع ..

ــ صفحة من الكرّاس الأصفر  :

في هذه الصفحة ألصقت صورة من مجلة لسيدة شقراء الشعر ، قصيرته ، ترتدي ثيابا حمراء شرقية ، فضفاضة ومطرّزة ، وقد إلتفتت فجأة فأطارت نسمة إلتفاتتها بطرف وشاحها الحريري ، وهنا تمّ إلتقاط الصورة . فيما كتبت أنا على مقربة من طرف الوشاح أبيات شعر رقيقة لنزار ، وقد كنت أعشق نزار قبّاني في صغري وأتلهّف على دواوينه بشغف وعشق عجيبين ، ولا زلت حتى الآن أقدّر كثيرا تجربته الشعرية المتفرّدة ، التي استطاعت أن تعبّر بسهولة ويسر عن كل ما قد يختلج في قلوب العشّاق والمحبين ، والثوّار والمقهورين على حد سواء ..

ــ الصفحة تقرأ كالتالي ..

إلى إمرأة لا تُعاد

تُسمّى "مدينة حزني"

إلى من تسافر مثل السفينة

في ماء عيني

وتدخل وقت الكتابةِ

ما بين صوتي وبيني

أقدّم موتي إليك على شكلِ شعرٍ

فكيف تظنّين أنّي أغنّي !!

على الصفحة المقابلة ، ويبدو أني كنت عندها أستمع للمطرب الكبير وديع الصافي ، إذ قمت  بخطّ بعض أبيات الأغنية وتعقيبات من عندي ، بعشوائية إنتقاء وفق ترمومتر الإحساس ، ولكن الصورة الملصقة مع الأبيات لم تكّ لوديع وإنما كانت لغلاف شريط كاسيت قديم لعائلة "بندلي" الفنية التي كنت أتتبع ألحانها وأصوات أفرادها لزمن ، خاصة إبنتهم " دورا" في أدائها للأدوار القديمة .. الصفحة تقرأ كالتالي :

" بدّي إنساها ومش قادر.. " والقلب ينطّ ليهوى ، كي ينطّ من جديد .. ومع كل نفس من السيجارة تمرّين ببالي .. حقا قد زرعت دبابيس هواك في قبضة اللحم تلك دون كثير عناء .. والحقّ أنك رائعة :

" طلّت تتمخطر " ..

"فستان أبيض ، أصفر ، أحمر ، أخضر .. ومكسّر !! "

"نحن عليكو ما تكبّرنا ، ليش عليناتا تكبّرتوا ؟.."

"الله عالفرقه يصبّرنا .."

"كنتو حناني ، ليش غيّرتوا ؟.."

"بعدو هواكم عندنا غالي ، من بعدكم هالقلب سكّرتو .."

ــ صفحات أخرى من الكرّاس الأصفر :

صورة للممثلة القديرة منى واصف "لا أدري لماذا ألصقتها الكرّاس ؟" وأبيات إرتجلتها ذات مرة عن طفلة عربية صغيرة تدعى (يارا) لها نظرة ملائكية تلخّص كلّ براءة الأطفال في العالم ..

زغيري وحلوي كثير كثير

اللي يحِبّه ، ما بتُفتُر نارا

وكل ما بِدّا يصير .. يصير !

بنتي سِرّ الكون .. ويارا

…………………….

وبعد سِتّي ، سبعي ، ثماني سنين

بقول إنشاء الله ..

تفتكري الشاعر بأشعارا

ثم صورة لبلقيس زوجة نزار (التي قضت في حادثة تفجير بلبنان) ، ثمّ صورة لفيروز وهي تضحك ملء شدقيها .. (هل يمكن تصوّر ذلك .. فيروز تضحك ؟) ، "ربما لغرابة الصورة أدرجتها الكرّاس" ، ثم رسومات خطّها جبران خليل جبران ، خطوط وإسكتشات لوجوه تخيّلية لأبي نواس وأبن خلدون ، وبورتريهات لنفسه وهو يرسم في مقهى ، وفي مرسم مع موديل ، الرسومات مؤرخة بسنة 1910 . وقد كتبت إلى جانب هذه الرسومات بعضا من كلمات جبران المعروفة :

ــ أبعد الناس عن قلبي ، راغب يمثّل دور مرغوب .

ــ للرجل العظيم قلبان ، قلب يدمي ، وقلب يتجلّد .

ــ إلى جانب صورة فيروز ، تخيرت بعض الميجنا من أغانيها ، وإلى جانب صورة بلقيس زوجة نزار الراحلة ، قصيد مطوّل له عن بيروت إبّان الحرب الأهلية "بيروت محظيتكم.. بيروت حبيبتي" ، أختار أولى أبياتها : 

سامحينا ..

إن تركناك تموتين وحيدة ..

وتسللنا إلى خارج الغرفة نبكي كجنود هاربين ..

سامحينا ..

إن رأينا دمك الورديّ ينساب كأنهار العقيق

وتفرّجنا على فعل الزنا

وبقينا ساكتين ..

وهنا قد يحقّ التساؤل : ترى هل استعار مظفر النواب هذه الصورة من نزار أم العكس في أبيات الأول المشهورة عن القدس ، فتشابه المعنى هنا ، يبدو لي ، تقليدا  :

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مساحة ما

كتبها الهادي حقيق ، في 4 مايو 2009 الساعة: 01:30 ص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليل متأخر ، وقهوة باردة ، والكثير من القلق ، فيما يواصل وميض الشاشة التلذّذ بجلد العينين المرهقتين من السهر. طاف بالمواقع : قرأ الأخبار وأستمع للأغاني وطالع الصور.. وبعد؟ .. يودّ الحديث ولكن الكلّ نيام ..
المزعج في مواقع الشبكة الإجتماعية هو الحاجة ، لا إلى إرتجال كلمة سرّ ، وإنما إلى تذكّرها ، لكنه رغم ذلك باشر التسجيل .
الهدف : بناء مدوّنة صغيرة .. وضع خربشة ، توقيع ما على تلك الورقة الكونية الخرافية .. الهمس بصرخة ، كالآخرين ، في ذلك الفضاء الإفتراضي الشاسع " أنا أيضا هنا " ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الدرويش والإسمنت

كتبها الهادي حقيق ، في 3 مايو 2009 الساعة: 03:06 ص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 السيّارات تمرّ سريعة على جانبي الشارع وهي تفرّ من قيظ الظهيرة مشحونة بالقلق والعصبية فيما وقف هو متكئا على عصاه ، بلحيته البيضاء الخفيفة وبلباسه الشعبي الثقيل ، باسماً باسطاً يده للأمام بورقة صغيرة تكاد لا تُرى .
 
كنت قد أوقفت السيارة على مقربة من المخبز ونزلت عندما إلتقت عينانا لبرهة ، لم أستطع تغافله ، تقدمت منه مجبرا وأنا أسأل "خير يا سيدي الحاج ؟" .
 
بادرني نشِطاً مسلّماً باشّاً ، وألقى بورقته في راحتي مستفسراً عن بيت صاحب الإسم الذي خطّ فيها على عجل . قلت وأنا أقرأ الإسم " وين قالولك ؟ " ، " جيهة محطة البنزينه " ، "عالرئيسي ؟"، "أو بالك .." ، "تعرفه أنت الأخ اللي تدوّر في حوشه ؟" ، "لا والله .. أني يا سيدي بنسقّف حويش للصغيوره

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كم “أنت” شسيب !!

كتبها الهادي حقيق ، في 28 أبريل 2009 الساعة: 04:10 ص

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 في "باب الحريّة" ، كانت موسيقى الحركة والأصوات تبثّ حياة تقرب من الصخب ، و كنت أساهم فيها من نافذة خشبية متهالكة تطلّ على الشارع الضيّق بطقطقة رتيبة متتالية على الآلة الكاتبة العتيقة المخصصة لي للتدريب في "مدرسة … لتعليم الطباعة باللمس" .

 "كمنت شسيب" ورائحة دكاكين العطّارة تحيل الهواء الساخن إلى ألوان فاقعة متداخلة وحبيبات العرق في إنتظار أن تتوجّه صوبها المروحة الكهربائية العجوز وقد أثقلها الغبار

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البوقاله .. تميمة الفأل الحسن لبنات طرابلس .. وبنات الجزائر العاصمة !!

كتبها الهادي حقيق ، في 21 أبريل 2009 الساعة: 16:36 م

 تعب الموج من سعيه فسكن البحر وهدأ ، وسار الليل حثيثا في شوارع المدينة القديمة بطرابلس ليسدل على كل مكان حلة مهيبة من الهدوء والستر والظلام .. سكون لا يشوبه سوى أصوات وتواقيع بعيدة مكتومة لا تكاد تبين آتية من جهة "الزاوية الصغيرة".

 في إحدى البيوت ، أيّ منها ! ، وقبيل أن تخلد الأجساد والنفوس للنوم بقليل .. فيما النعاس يداعب الجفون والأرواح على مقربة من تخوم ممالك الخيال والأحلام .. ينساب صوت الجدّة المباركة وهي تهمس بتؤدة وتأنٍ بكلمات صـادقـة وبسيطـة تهتزّ مـع حروفها ، على حياء ، قلوب فتيات البيت وهن ينصتن بشغفٍ ومحبة ..

ــ بسم الله بديت ، وعالنبي صليت ، يا غايث كل مغيث ، غيثنا واستر عيوبنا ..

في ذات اللحظة ، وعلى بعد آلاف الأميال غربا ، وبالتحديد في حيّ القصبة العتيق بالجزائر العاصمة ، كانت أعين البنات قد تعلقت بشفتي جدتهن الغالية يتتبعنها في ترقّب وشوق ولهفة وهي تتمتم :  

ــ بسم الله بديت ، وعلى النبي صليت ، وعلى الصحابة رضيت ، وعيّطت يا خالقي ، يا مغيث كل مغيث ، يا ربّ السماء العالي ..

 كلمات الجدّتين العربيتين هذه تعني أنهما قد باشرتا لتوّهما لعبة " البوقالة " ، تلك الظاهرة التراثية النسائية ، التي تلج الصبايا من خلالها ، بسهولةٍ ويسر ، إلى عالم فسيح لا يُحدّ من الحلم والأمل والرجاء والفأل الحسن .. تسلية إبداعية شعبية عفيفة ، ولعبة استبشار بريئة ، تُغنِي فيها أمنيات وأحلام وخيال الفتيات أنفسهن عن كل ما نعرفه الآن من وسائل للفنون والتسلية .

 تمدّ الجدة بغطاء الرأس "التسّمال" لمن على يمينها من الحفيدات لتعقد بطرفه عقدة بسيطة وهي تستحضر في قلبها من تودّ أن يكون المعنيّ بـ "البوقالة" التي ستقال ، ثم تعيد "التسّمال" للجدة التي تبدأ على الفور في استرجاع وإلقاء بوقالة من بين العشرات التي تحفظها منذ زمن بعيد عن ظهر قلب :

سيدي سيدي وين نلقاك

نلقاك في نهار سعيد

نبي محبّتك تُنقص كل يوم تزيد

نراجي فيك

مراجاة هلال العيد

ــ فيما تتخيّر جدتنا في حيّ القصبة بالجزائر البوقالة التي تقول :

رشّيت عتبة الباب بالزهر والطّيب

وسقيت كل لحباب بالعسل والزبيب

وكي نسيت .. جاني جواب

كنت نستنّاه من عند البعيد

وتفكّ الجدتان ، في المدينة القديمة والقصبة على حد سواء ، عقدة غطاء الرأس ، وترتفع أصوات الفتيات وهن يسألن في فضول ملحّ صاحبة البوقالة عمّن كان المقصود ؟ ، بالطبع كلتاهما لا تصدقهن القول ، فواحدة قالت إنها نوت البوقالة لخالها المسافر ، فيما أشارت الثانية إلى أنها أسمت البوقاله على شقيقتها المتزوجة في مدينة ثانية ، إجابات ذكية تبرّر قطعا ترقّب عودة المسافر كترقّب هلال العيد ، وانتظار جواب مطمئن من ذلك البعيد . وتضحك البنات في سرهن ، فهن يعرفن أن لا الخال ولا الشقيقة معنيين بالبوقالتين إلا عرضا ..

 وتستمر "البوقالة" فتتناول "التسّمال" الفتاة التي تلي الأولى ، لتعقد كشقيقتها النية في القلب عن المقصود بالبوقالة التالية ، ولتعقد كذلك عقدة صغيرة في طرف غطاء الرأس ثم ترجعه للجدة لسماع نصيبها من "بوقالات" الليلة . في القصبة بالجزائر العاصمة سمعت الفتيات :

السفينة اللي جات .. باش آنكافيها ؟

باللوز والسكّر نطعم غاشيها

وبالزباد والعطر نطلي سواريها

ونطلب ربّي

للحجّ يدّيها

ــ وفي مدينة طرابلس القديمة سمعن .. :

مركب الغالي جِتّ .. باش نكافيها ؟

بالجوهر المكّي نرشّق حواشيها

وبالعطر الوردي ندهن حواريها

ونطلب من خالقي

نحجّ على إيديها 

البوقالة .. ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا ؟..

"البوقالة" في اللهجة الليبية هي الآنية الفخارية التي يُشرب منها ، وهي "كالبرّادة" عدا أنها طويلة العنق ضيّقة المشرب ، أمّا في الجزائر فإنها تعني الإناء الفخاري الدائري الصغير ، وقد كان يستخدم قديما في هذه اللعبة ، حيث كانت الصبايا يضعن خواتمهن في هذا الإناء بعد أن يتم ملؤه بقليل من الماء ، ليتم اختيار الفتاة التي ستُخصّ ببوقالة ، عند إخراج خاتمها عشوائيا من هذه "البوقاله" الفخارية ، وذلك زيادة في التشويق والإثارة للعبة على ما يبدو .

وعدا أنني لم أسمع بمثل هذا الاستخدام في طرابلس عند لعب البوقالة قديما . فإنه وحتى في الجزائر ، ومع مرور الوقت ، تمّ تجريد اللعبة من جزئية الإناء الفخاري هذه وبعض الشكليات الأخرى ، ولم تتبق سوى الأشعار التي تحفظها النساء والفتيات غيبا ، إعجابا بمعانيها الرقيقة ، وتفاؤلها اللطيف .

ولعله ، وفي ضوء تشابه أشعار البوقالة في كل من ليبيا والجزائر ، وهو في بعض البوقالات يكاد يكون تماثلا إلاّ من بعض المفردات التي يحتّمها اختلاف اللهجة وبعض تفاصيل الحياة ، فإن الحاجة باتت ملحّة لقيام الباحثين في مجال التراث الشعبي في البلدين بتأصيل هذه اللعبة ، وتحقيق أبياتها وتحديد منشئها الأصلي وتاريخ نشأتها .

وعلى الرغم من أن الخصائص الأدبية لأبيات البوقالة تؤشّر وبوضوح صوب الأندلس ، تماما مثلما هو المألوف ، إلا أن إثبات وجودها ضمن المأثور الشعبي في المغرب يظلّ هو السبيل الوحيد لدعم مثل هذه الفرضية .

لنتأمل أولاً مدى التشابه والتماثل بين البوقالة الطرابلسية كما كانت تقال في المدينة القديمة وميزران والظهرة ، والبوقالة في أحياء الجزائر العاصمة كحيّ القصبة وباب الوادي وباب عزون . ففي البوقالة الجزائرية التالية والتي تتحدث عن السعادة والفرح برجوع المحبوب وصلاح الحال ، وحلول الفرصة للتشفّي من الحاسدين والأعداء :

هبطت إلى قاع الجنان وفرّشت زربيّه

وحرقست بحرقوس الذهب حتى إلى وذنيّا

أفرحي يا يمّا سعدي ولّى ليّا

نتشفّى في العدو

كما يتشفّى فيّا

ــ نجد أولا ، ومن حيث المفردات ، تماثلا كبيرا مع ما يقال في اللهجة الطرابلسية : (فرّشت زربيّه) ، (الجنان) ، (حرقصت) ، (حتى إلوذنيّا ـ حتى إلى أذنيّ ـ) ، (سعدي ولّى ـ رجع ـ ليّا) . ويلاحظ هنا أن اسم الأمّ المنادى في الجزائر ينطق بالكسر(يِمّا) في حين أنه في طرابلس بالرفع ( يُومّا ) . أما من حيث المعنى فإن هذه البوقالة قريبة جدا من حيث الموضوع والتعبير والقافية ، من البوقالة الطرابلسية التي تقول :

سيدي سيدي حنّ عليّا

نفرّش فراش الحرير ونمدّ رجليّا

ونشّمت في العادي

قبل لا يشّمّت فيّا

ــ أما البوقالة الطرابلسية التي تتحدث عن شرّ المغتابين من الحساد والخصوم ، والتي تقول :

قطّعت اللحم ودرتله فلفله وبزاره

وسمعت القول وعرفت من قاله

يا قايل الخير تربح

ويا قايل الشرّ تنبح

ــ فإنها تبدو ، وبوضوح ، شقيقة لتلك التي تقال في الجزائر العاصمة في ذات الموضوع :

قطّعت اللحم بيدي وعملت بذور

وسمعت الكلام بوذني وعرفت من قالو

يا قايلين الكلام القبيح وِآش تربحوا ؟

أنا طاووس في القصر

وأنتم خفّاش .. النهار ما يضوالو

ــ أمّا بوقالة اللوم والعتاب وحفظ العهد والتي تقال في الجزائر العاصمة هكذا :

بعثت لك يا شباب دموعي قرنفله حمراء

يا عدو بن عدو بدّلتني بامراء

قال لي والله يا لاَله ما نبدّلك بالغير

محبتك في قلبي

حتى يشيب الطير

ــ فهي وإلى حد كبير مقاربة لتلك التي تقال في طرابلس بصيغة:

دزّيتلك السلام في قرنفله صفره

بحروف الذهب خيار ما تقرأ

وحتى ليا بدّلتني بأخرى

أني والله ما نبدّلك بالغير

محبّتك في القلب

لين يشيب الطير

 البوقالة..  تنوّع في الموضوع ، وتعدّد في الوظيفة..

يمكن اعتبار البوقالة علاوة على أنها جلسة نسائية عائلية محتشمة للعب والتسلية والترويح عن النفس ، بمثابة جلسة دعم نفسي للفتيات ، فالجدّات والأمهات وعند تخيّرهن للبوقالات للفتيـات اللائي عليهن الدور يقمن ، ومن طرف خفّي ، باسترجاع البوقالة المناسبة لواقع حال كل فتاة على حدة، ومزاجها خلال ذلك الشهر أو الفترة الأخيرة ، وذلك كأسلوب نفسي يهدف إلى الدعم ورفع المعنويات ، وتقوية الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى قادر على تغيير الأحوال وعلى تحقيق الأماني والأحلام .. والتي غالبا ما تتمثّل بالنسبة لأولئك الفتيات في التوفيق إلى الزوج المرغوب والمناسب لتأسيس أسرة مستقرة وسعيدة .

   كما تمثّل جلسة البوقاله وقتا إجتماعيا حميمياً للتواصل والحوار والتشاور ، فاللعبة ، بطبيعتها ، تحتمل المقاطعات إلى أبعد حد ، سواء للتعقيب على حدث ما أو للإخبار بمعلومة ، أو للنصح والإرشاد ، إلى غير ذلك من التفاعل الإنساني الاجتماعي الذي يمكن أن يحدث بين أكثر من جيل .

   ولعل الرائع في جلسة البوقالة هو في تفهّم الجيل القديم لاحتياج الفتيات والصبايا لسماع أبيات الحبّ اللطيفة العفيفة ، الصريحة أحيانا والمستترة أحيانا أخرى ، وتفهّم حاجتهن إلى الأمل والحلم والثقة في المستقبل . لتنام الفتاة من بعد لعب البوقالة وهي مطمئنة إلا أن نصيبها وحظها في الحياة من الفرح والسعادة هو بيد الله الذي لا يغفل عن أحد من خلقه ، سبحانه .

   أمّا مواضيع البوقاله فهي مواضيع الشعر على إطلاقه ، ففيها من الفخر والمديح والتشبّب والرجاء والدعاء والفأل الطيب الكثير ، كما أن فيها الكثير من اللوعة والتحسّر والحزن على فراق الأحبة والأمل في أن يجمع الله الشمل من جديد ، وتزخر البوقاله بالدعوا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المنوّعة 2 الثانية

كتبها الهادي حقيق ، في 15 أبريل 2009 الساعة: 15:18 م

   من الأمثال الشعبية  :
الفار الزرباز .. من سعد القطّوس
اللي واخذ علي طعامك .. وين يشبحك .. يجوع
اللي ضرباته أمّه .. راحت فيه !
اللي مرته قصيره .. يفرح ويقول صغيره
اللي عضّك .. وقّضك في سنونك
شاقي ولا .. محتاج
اللي ما تعرفش تندب .. علاش يموت راجلها ؟
القياس ميّه .. والقصّ مرّه
بعد ما شبع .. قال صامت !
قالّه : أعطيني مهبول ناكل رزقه .. قالّه : أعطيني عاقل نخلص معاه !
 
   من مغاني العلم :
عزيز كان خان الصوب ، عزاي فيه توبه عالغلا
صامت قليل الملح ، برّك أحدانا ناقته
نسينا غلاك وهان ، ودرنا غلا ذوب حالنا
إن دار الخطا ننسوه ، عزيز ماو علي باب رزقنا 
العين في غياب عزيز ، الساعه بعامين عندها 
 
   من مغاني الرحى :
 يا سعد من قال حنّه
من بيتها جاوباته
تاريتها لأمّ جنّه
يا تعس من فارقاته
 
اللي طلب يطلب الله
يقول يا كريم المعاطي
والعبد خلّيك منّه
لا يشيّعك لا يواطي
 
واحد توكّل على الله
 وواحد وكيله ذراعه 
واللي توكّل على الله
شري العزّ والذلّ باعه
 
   من أهازيج التربيج :
 يومّ ربيح ويمّ ربيح
قصيصه يهفهف فيها الريح
يومّ ربيح ويومّ ربيح
 يا سالف بالخرص يميح
 وتكليله بمرجان وشيح
يومّ ربيح ويومّ ربيح
قصيصه يهفهف فيها الريح
 
دقداني يا دقداني
رانك تكبر تنساني
دقداني يا دقداني
تاخذ كلام أمّ حناني
تجيب اللحمه في كمّك
وتحيّد عن دار أمّك
 وتعمل روحك برّاني
دقداني يا دقداني
رانك تكبر تنساني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عن القمودي والمسرح .. و “الخنّ”

كتبها الهادي حقيق ، في 6 أبريل 2009 الساعة: 14:15 م

   علاقة محمد القمودي بالمسرح علاقة عجيبة غريبة ، علاقة مشحونة بالكثير من الأفكار المتضاربة والعواطف المتناقضة والإنفعالات الطفولية الحادة ، فهو يحبه ويخشاه في آن واحد ، يتحاشى قربه ولكنه لا يطيق صبرا على الإبتعاد عنه ، يتابعه بكثير من الشغف والعشق ، يترصّد أخباره ، ويدرسه ويبحث في قضاياه ، وينشغل بالتفكير في مدارسه ومشاربه جلّ يومه ، ولكنه عندما يقرر التقدّم صوب خشبته العريضة كممثل أو ككاتب أو كمخرج ، أو حتى كمشاهد ، فإنه يصبح مسكونا بالرعب والخوف من هذا "الغول" ، هذا الحكيم الحنون المخادع ، الجدّ المعمّر لكافة الأشكال الدرامية ، القادر على التلون بألف لون ولون ، والتشكّل والتقنّع بكافة الأشكال والأقنعة ، القادر على التنوع .. بتنوع الحياة ذاتها .
 
هذه الرهبة تجاه هذا "الأستاذ الجليل" كانت مدخل علاقة القمودي بالمسرح ، منذ أن تتلمذ على أيدي مسرحيين عرب كبار، وتعمّقت هذه الرهبة أكثر عند إطلاعه على المسرح العالمي ، كتابا وتجارب فعلية ، وأصبحت هاجسا عندما إطلع عن كثب على مسرح المحترفين في شرق أوروبا . فيما كان "ستانسلافسكي" ، وطوال هذه المراحل ، يشعل قلبه وفكره بنيران "الصدق والرسالة" ، و"التقمّص والتوحّد" ، ووصايا "التمكّن من الأدوات" و"السيطرة المطلقة" للممثل على أحاسيسه ومشاعره .
 
ولكن "رعب" القمودي من "الركح" ليس من ضروب الخوف الذي يشلّ التفكير والحركة ، وإنما هو "خوف" الفنان الصادق ، المدرك لأبعاد ومتطلبات وأشتراطات هذا الفن الخالد ، هو خوف المدرك لمسئولية المبدع والفنان عن كافة ما يقدم .
 
بعد الإنتهاء من الدرس والبحث والتدريب والقيام ببعض التجارب والمشهديات المسرحية الصامتة والناطقة ، تخيّر القمودي "الشاب" الإخراج ، وكانت له مسيرة غنية في هذا المجال ، تواصلت لما يقارب من خمسة عشر عاما وأثمرت عشرة مسرحيات تخيّرها القمودي بعناية من المسرح العالمي والمحلي .
 
فأخرج لألبير كامو (كاليجول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي